تحوّل ملف الامتحانات الرسمية في لبنان إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام والجدل، وسط تصاعد المطالب السياسية والتربوية بإلغائها واعتماد الإفادات، في مقابل تمسّك وزارة التربية بتنفيذ قرار مجلس الوزراء القاضي بإجرائها.
وفي تطوّر لافت، كشف المحامي والناشط السياسي حسن عادل بزّي، في تصريح خاصّ لـ "إيست نيوز"، أنه "يدرس التقدّم بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة تهدف إلى إبطال مرسوم الامتحانات الرسمية لعام 2026، كما يعمل على إعداد مُراجعات قضائية إضافية ترمي إلى وقف تنفيذ القرار".
وأوضح بزّي أن "هذه الخطوة تستند، من وجهة نظره، إلى وجود إخلال بمبدأ المساواة بين الطلاب في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها عدد كبير منهم، سواء نتيجة الأوضاع الأمنية أو الاقتصادية أو ظروف النزوح، مُعتبرًا أن إجراء الامتحانات في هذه المرحلة قد لا يراعي الفوارق القائمة بين المُرشحين".
وأشار إلى أن "آلاف الطلاب يواجهون تحديات إنسانية ونفسية ومعيشية تجعل خوض الامتحانات الرسمية أمرًا بالغ الصعوبة، داعيًا الجهات المعنية إلى إعادة النظر في هذا الاستحقاق بما يراعي الواقع الاستثنائي الذي تمرّ به البلاد".
وفي سياق متّصل، أوضح بزّي أن "العمل التشريعي لا يقتصر على الملف القضائي الراهن، بل يمتد إلى مُبادرات إصلاحية أوسع، مُشيرًا إلى أنه ضمن إطار جمعية "الشعب يريد إصلاح النظام" جرى إعداد اقتراح قانون يجري العمل على استكمال توقيعه من قبل عدد من النواب تمهيدًا لتسجيله في الأمانة العامّة لمجلس النواب، في خطوة تهدف إلى دفع مسار الإصلاح التشريعي والمؤسساتي".
ومع اقتراب المواعيد المحدّدة للاستحقاق الرسمي، تتزايد المؤشرات التي توحي بأن الملف دخل مرحلة شديدة الحساسية، قد تدفع الحكومة إلى إعادة تقييم خياراتها في ضوء التطوّرات الأمنية والاعتراضات المتنامية من مختلف الجهات.
وفي أحدث المواقف السياسية، رفع النائب بلال الحشيمي سقف اعتراضه على إجراء الامتحانات الرسمية، داعيًا إلى إلغائها ومنح الطلاب إفادات استثنائية، ومتوجهًا إلى وزيرة التربية ريما كرامي بعبارة: "كفى عنادًا".
ويعكس موقف الحشيمي حجم القلق المتنامي لدى شريحة واسعة من القوى السياسية والتربوية التي ترى أن الظروف الحالية لا تسمح بإجراء امتحانات وطنية تتطلب تنقل عشرات الآلاف من الطلاب والأساتذة بين المناطق، في ظلّ استمرار المخاوف الأمنية والضغوط الاقتصادية التي تُعاني منها العائلات اللبنانية.
وفي موازاة ذلك، كشفت معلومات خاصّة جرى تداولها خلال الساعات الأخيرة أن وزيرة التربية تحدّثت أمام عدد من الوزراء عن التحضير للموسم الدراسي المُقبل في حال استمرّت الأزمة الراهنة، ما فتح الباب أمام تفسيرات عديدة حول مُستقبل الامتحانات الرسمية هذا العام.
كما أشارت المعلومات إلى أن الوزارة تواجه صعوبات فعلية في تأمين مراكز الامتحانات للطلاب، في ظلّ امتناع بعض الجهات عن وضع مؤسّساتها بتصرّف الوزارة قبل الحصول على ضمانات واضحة تتعلّق بالسلامة والمسؤوليات القانونية.
ومن المُنتظر أن يعقد مجلس الوزراء اجتماعًا مصغّرًا في السراي الحكومي مطلع الأسبوع المقبل، على أن يكون ملف الامتحانات الرسمية البند الأساسي على جدول الأعمال، في ظلّ ترقّب الأوساط التربوية والسياسية لما قد ينتج عنه من مواقف أو قرارات حاسمة.
على الجبهة التربوية، دخلت رابطة أساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي على خط المواجهة بقوة، مطالبة بإعادة النظر في قرار إجراء الامتحانات، ومشدّدة على أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان تستوجب مُقاربة مختلفة تُراعي سلامة الطلاب والعاملين في القطاع التربوي.
وأعلنت الرابطة مُقاطعة مُراقبة الامتحانات الرسمية في حال إجرائها، مُعتبرة أن الجهات الرسمية تتحمّل مسؤولية أي تداعيات قد تنتج عن انتقال الطلاب إلى مراكز الامتحانات في ظلّ الأوضاع الراهنة.
أما القطاع التربوي الخاص، فقد وجّه بدوره رسالة واضحة إلى وزارة التربية، إذ دعت نقابة المؤسّسات التربوية الخاصة المدارس التابعة لها إلى عدم فتح أبوابها كمراكز للامتحانات الرسمية ما لم تتسلّم تعهداً رسميًا وخطيًا من الوزارة تتحمّل بموجبه كامل المسؤولية القانونية والإدارية والأمنية المُرتبطة بإجراء الامتحانات وسلامة المرشحين والعاملين.
في المقابل، لا تزال وزيرة التربية مُتمسّكة بتنفيذ قرار مجلس الوزراء، مؤكدة أن الوزارة تواصل التحضيرات اللوجستية والإدارية اللازمة ضمن المهل المُحدّدة.
وشدّدت كرامي على أن قرار إجراء الامتحانات يحتاج إلى أسابيع من التحضير والعمل، بينما لا يحتاج قرار الإلغاء سوى إلى ثوانٍ في حال طرأت مُستجدّات أمنية تستوجب ذلك، مُعتبرة أن الجهة المخوّلة اتخاذ مثل هذا القرار هي مجلس الوزراء.
كما أكّدت أن المُعترضين على إجراء الامتحانات يمكنهم اللجوء إلى مجلس النواب والتقدّم باقتراح قانون معجّل مكرّر لإلغائها، مشيرة إلى أنها تقوم بواجبها الوزاري وتنفذ القرار الصادر عن الحكومة.
وبين تمسّك الدولة بالحفاظ على قيمة الشهادات الرسمية وهيبتها، وبين تصاعد المخاوف على سلامة الطلاب والأساتذة، يبدو أن ملف الامتحانات الرسمية يقف اليوم عند مفترق حاسم.
فالأزمة لم تعد محصورة داخل وزارة التربية، بل أصبحت قضية رأي عام تتداخل فيها الحسابات التربوية والسياسية والأمنية والقانونية، فيما يترقب آلاف الطلاب والأهالي القرار النهائي الذي سيحدد مصير عام دراسي كامل.
وفي انتظار ما سيصدر عن الاجتماعات الحكومية والتحركات القضائية خلال الأيام المقبلة، يبقى السؤال الأكبر: هل تتمسك الحكومة بخيار الامتحانات حتى النهاية، أم أن الضغوط السياسية والتربوية والقضائية المتصاعدة ستدفعها إلى اتخاذ القرار الذي يطالب به المعترضون واعتماد الإفادات الاستثنائية؟
حتى الآن، لا جواب حاسم. لكن المؤكّد أن معركة الامتحانات الرسمية باتت واحدة من أكثر الملفّات سخونة في لبنان، وأن الساعات والأيام المقبلة ستكون كفيلة برسم ملامح القرار الذي ينتظره الطلاب والأهالي بقلق بالغ.
×