عاجل:

عندما يذوب الحبر في كواليس المطابخ المفبركة: القضاء بين هيبة القانون وحملات التجنّي

  • ٥٤

خاص - "إيست نيوز"

في زمنٍ أصبحت فيه المنصات الإعلامية أشبه بغرف عمليات تدار لتصفية الحسابات السياسية، يبدو أن على القارئ اللبناني الشغوف بالحقيقة أن يعيد النظر في بديهيات ما يقرأ. فالقاعدة الذهبية المستحدثة في فقه الإعلام الموجه تقول "إذا قرأت خبرًا في بعض الصحف الصفراء، فعدّ أصابعك بعدها لتتأكد من سلامتها، وحتى لو أخبروك بأن السماء غائمة، فالأجدى بك أن تخرج وتنظُر إلى الأفق بنفسك لتتأكد من خيوط الشمس".

لقد حفلت بعض العناوين مؤخرًا بضجيج مفتعل حول إجراءات قضائية اتخذتها النيابة العامة التمييزية، محاولةً تصوير تطبيق القانون كأنه "تجاوز للأصول" أو "استهداف كيدي". والسياق يتعلق بإجراءات حازمة ورصينة قادها مدعي عام التمييز، على خلفية منشور كاد أن يشعل فتنة في بلدات آمنة كبلدة العيشية، عبر إطلاق اتهامات عشوائية بالعمالة؛ وهي اتهامات لم تقف عند حدود القدح والذم، بل تجاوزتها لتطال بلدة رئيس الجمهورية، ما ينقل الفعل فورًا من خانة "الاتهام المجرّد" إلى مصاف "الجرم المشهود" المرتكب بحق السلم الأهلي ومقام الرئاسة.

المفارقة المضحكة المبكية في تلك السطور المكتوبة بحبر "المطابخ الفبركية"، هي التباكي على حصانات مهنية حُوّرت تفاصيلها عمدًا. فالقانون الذي يحمي المحامي في رسالته الدفاعية، لا يمنحه درعًا لبث الفتن والتخوين عبر "الفيسبوك". وأمام خطورة الجرم المشهود المستمر، سقطت الأقنعة؛ خاصة وأن المحامي المعني، وبحسب المعلومات التي حصلت عليها "إيست نيوز" وبخلاف ادعاءات "المداهمة المفاجئة"، كان على دراية تامة بالإجراءات وقام فور تبلغه من المديرية العامة باتخاذ الأصول البديهية والاتصال بنقابته لإطلاعها على المسار الجاري، ما يدحض بالكامل سيناريو "الاقتياد التعسفي" الذي حاولت المطابع تسويقه بعد منتصف الليل.

تطوّع المخرجون في تلك الصحيفة لربط حركة القضاء بـ"تبييض الوجوه" مع بعبدا، فجاءهم الرد الصاعق من قصر العدل ونقابة المحامين معًا. فالتحرك القضائي كان استجابة فورية لنداء الاستقرار، ونقابة المحامين نفسها سحبت الغطاء المعنوي عن مثل هذه السلوكيات ببيانها الصارم في الصباح نفسه، والذي دعت فيه المحامين إلى التنبّه لما ينشرونه، واصفة بعض المحتوى بأنه يندرج ضمن "الإسفاف والتحريض والتخوين". فكيف تكون الإجراءات كيدية إذا كانت النقابة تصف الفعل بالتحريض، والقانون يصفه بالجرم المشهود، والمخارج القضائية انتهت بأرقى أشكال التسوية عبر اعتذار علني وتعهد صريح؟

إن محاولة الاختباء وراء صياغات مشبوهة لصناعة بطولات وهمية من حبرٍ مغشوش لن تغير من الحقيقة شيئًا. ومن اعتاد فبركة السيناريوهات المظلمة في كواليس التوجيه السياسي، لن يرى في ضوء العدالة الناصع وحزم الأجهزة الأمنية إلا مؤامرة. ومن هنا، تظل النصيحة قائمة لكل من يقلب صفحات تلك الجريدة: دققوا، راجعوا، وتأكدوا من سمائكم شخصيًا، فالغيوم لا تصنعها الطبيعة دائمًا، بل تصنعها أحيانًا غرف سوداء تفتقد لأبسط قواعد المصداقية المهنية.

المنشورات ذات الصلة