عاجل:

العالم على موعد مع المونديال: ولبنان على موعد مع القرار

  • ٤٥

العالم يستعدّ لحدث كُروي يجمع مليارات المشاهدين تحت قواعد واضحة وصفارة حاسمة، فيما يقف لبنان أمام استحقاق من نوع آخر، لا تُحسم نتائجه في تسعين دقيقة ولا تحددها لوائح بطولة. بين ملاعب المونديال ومسارات السياسة والأمن، تبدو البلاد أمام لحظة مفصلية تتعلّق بمستقبل الاستقرار ودور الدولة في إدارة واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات.

في الوقت الذي يتّجه فيه العالم إلى انطلاق كأس العالم 2026، حيث تتحوّل الملاعب إلى مساحة جامعة للشعوب تحت سقف المنافسة الرياضية والقوانين الواضحة، يبدو لبنان وكأنه يعيش مشهدًا موازيًا مختلفًا تمامًا. هناك تُحسم النتائج بصافرة حكم، وهنا تبقى الوقائع مفتوحة على مسارات سياسية وأمنية لم تستقر بعد.

العالم على موعد مع المونديال، ولبنان على موعد مع القرار، قرار يتجاوز الحدث الآني، ليطال شكل الدولة ودورها وقدرتها على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية في مرحلة دقيقة من تاريخها..

في الجنوب، لا تزال تداعيات المواجهة المُستمرّة حاضرة، مع استمرار التوتر الميداني وما يرافقه من كلفة بشرية واقتصادية متراكمة. ومع مرور الوقت، تتعزز الحاجة إلى مقاربة أكثر استقرارًا تنطلق من منطق الدولة ومؤسساتها، بما يحدّ من حالة الاستنزاف القائمة.

في هذا السياق، تبرز التحركات الدبلوماسية المتواصلة، حيث تُحضَّر الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، في إطار البحث عن ترتيبات مرتبطة بوقف إطلاق النار واستكمال البنود الإجرائية التي تم التوصل إلى خطوطها العامة في الجولات السابقة.

ويواكب هذا المسار دخول الأمم المتحدة للمرة الأولى على خط الرصد المباشر، عبر بعثة متخصصة لجمع المعطيات وتوثيق الانتهاكات من مختلف الأطراف، ما يعكس اتساع الاهتمام الدولي بمسار الأزمة اللبنانية.

هذا الحَراك لا يقتصر على البعد الأمني فحسب، بل يعكس اتجاهًا أوسع نحو إدارة الأزمة ضمن أطر تفاوضية أكثر وضوحًا، في محاولة لتثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مزيد من التصعيد.

في المُقابل، يبرز البعد السياسي الداخلي بوصفه عنصرًا أساسيًا في تحديد مسار المرحلة المقبلة، مع تأكيد رسمي متكرر على رفض أي شكل من أشكال الوصاية، وعلى أن لبنان منفتح على التعاون مع مُختلف الدول، شرط الحفاظ على قراره السيادي داخل مؤسّساته الدستورية.

وفي موازاة ذلك، تبدو الساحة اللبنانية وكأنها تعيش مرحلة “وقت إضافي” سياسيًا، حيث تتداخل التهدئة مع التوتر، والمفاوضات مع احتمالات غير محسومة، من دون أفق نهائي واضح حتى الآن.

المُفارقة أن العالم يتّجه إلى بطولة تُدار وفق قواعد ثابتة وبداية ونهاية محددتين، فيما لا يزال لبنان أمام مسار سياسي وأمني مفتوح، يبحث فيه عن لحظة استقرار يمكن البناء عليها.

ومع ذلك، تشير التطوّرات المُتراكمة إلى أن مسار التهدئة وإعادة ضبط التوازنات بات أكثر حضورًا، ولو بشكل تدريجي، في ظل إدراك متزايد لحاجة لبنان إلى الاستقرار كشرط أساسي لأي مُعالجة اقتصادية أو سياسية لاحقة.

في النهاية، يبقى الفارق واضحًا: العالم يركض خلف بطولة تنتهي بتتويج، أما لبنان فيركض خلف استقرار مُستدام يحدّد شكل المرحلة المُقبلة. وبين المشهدين، يبقى التحدي الأساسي هو قدرة الدولة على تثبيت قرارها واستعادة دورها الكامل في إدارة مستقبلها.

المنشورات ذات الصلة