عاجل:

لسنا كثيرين على الخريطة... لكن أثرنا يطال الكوكب كله

  • ٢٤


رغم الصورة الذهنية التي ترسمها المدن المضيئة ليلًا والانطباع السائد بأن البشر غطّوا الأرض بالإسمنت والطرق، تكشف الدراسات الجغرافية وبيانات الأقمار الصناعية حقيقة مغايرة تمامًا، فالمناطق المأهولة بالسكان لا تشغل سوى نسبة ضئيلة جدًا من مساحة اليابسة على كوكب الأرض.


وتشير التقديرات إلى أن جميع المدن والبلدات والقرى وشبكات الطرق مجتمعة تغطي ما بين 1 و3 في المئة فقط من إجمالي مساحة اليابسة البالغة نحو 149 مليون كيلومتر مربع. ويختلف الرقم الدقيق تبعًا للمعايير المعتمدة في احتساب المناطق العمرانية، وما إذا كانت الضواحي والمساحات الخضراء الواقعة ضمن حدود المدن تُدرج ضمن هذه المساحة.


في المقابل، تبقى الغالبية الساحقة من اليابسة خارج نطاق الاستيطان البشري الدائم، وتشمل الصحارى الشاسعة، والغابات الكثيفة، والجبال المرتفعة، والمناطق القطبية، والتندرا التي تجعل الظروف الطبيعية أو الاقتصادية غير ملائمة للسكن.


إلا أن ضآلة المساحة المأهولة لا تعني محدودية التأثير. فالحفاظ على حياة المدن يتطلب موارد هائلة، الأمر الذي دفع البشر إلى إعادة تشكيل أجزاء واسعة من الكوكب. وتشغل الزراعة اليوم نحو 35 إلى 40 في المئة من الأراضي الصالحة للاستخدام، سواء لزراعة المحاصيل أو كمراعٍ للماشية، ما أدى إلى تغيير مساحات واسعة من النظم البيئية الطبيعية وإزالة أجزاء كبيرة من الغابات الأصلية.


وتستهلك المدن، رغم صغر مساحتها، أكثر من 75 في المئة من الطاقة العالمية، كما تُسهم بما يقارب 70 في المئة من انبعاثات الغازات الدفيئة، ما يجعلها أحد أبرز العوامل المؤثرة في المناخ العالمي.


كما تؤدي ظاهرة "الجزر الحرارية الحضرية" إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل المدن مقارنة بالمناطق المحيطة بها نتيجة انتشار الخرسانة والأسفلت، وهو ما ينعكس على المناخ المحلي وحركة الهواء في مناطق واسعة.


وتؤكد هذه الأرقام أن أثر البشرية لا يُقاس بحجم المساحة التي تحتلها على الخريطة، بل بمدى تأثيرها في البيئة والموارد الطبيعية. فبينما لا تشغل التجمعات البشرية سوى جزء صغير من اليابسة، فإنها تملك القدرة على تغيير ملامح الكوكب بأكمله.

المنشورات ذات الصلة