عاجل:

حين تخفى الإلتزامات: أين يقف الدستور اللبناني؟

  • ٣٤


خاص – ايست نيوز

يثير موضوع المعاهدات والاتفاقات التي تعقدها الدولة اللبنانية مع الدول الأخرى واحدة من أكثر الإشكاليات الدستورية تعقيداً في النظام اللبناني، لأنها تقع عند نقطة تقاطع دقيقة بين سيادة الدولة، وصلاحيات السلطات الدستورية، ومبدأ الفصل بين السلطات، وحق الشعب في الرقابة باعتباره مصدر السلطات. وتزداد أهمية هذا النقاش عندما تتصل الاتفاقات بملفات سيادية أو مالية أو أمنية أو سياسية ذات أثر مباشر على الدولة والمجتمع، أو عندما تظهر مؤشرات على وجود تفاهمات غير معلنة أو ملاحق سرية لا يُكشف عنها للرأي العام أو حتى لبعض المؤسسات الدستورية.

في الأصل، لا يتعامل الدستور اللبناني مع المعاهدات بوصفها أعمالاً سياسية مطلقة خارجة عن الرقابة، بل يضعها ضمن منظومة دستورية مقيدة بإجراءات الاختصاص والرقابة والإقرار والنشر. ومن هنا فإن أي بحث في شرعية اتفاق أو معاهدة يجب أن يبدأ من سؤالين متلازمين: من يملك حق التفاوض والإبرام؟ وما حدود علنية مضمون الالتزامات الدولية للدولة؟

يُعدّ الدستور اللبناني المرجعية الأولى في هذا المجال، ولا سيما المادة 52 التي تُشكّل النص المركزي المنظّم للعلاقات التعاهدية للدولة. وتنص هذه المادة بصورة واضحة على أن رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وأن هذه المعاهدات لا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، أما المعاهدات التي تتعلق بمالية الدولة أو التجارة الدولية أو الأحوال الشخصية أو التي لا يجوز فسخها سنة فسنة فلا تصبح نافذة إلا بعد موافقة مجلس النواب.

هذا النص يكشف عدة قواعد دستورية أساسية:

القاعدة الأولى؛ أن حق التفاوض الدولي ليس سلطة فردية مستقلة، بل هو اختصاص دستوري مركب. فرئيس الجمهورية لا يملك وحده صلاحية إبرام المعاهدات، بل يمارس هذا الدور ضمن آلية دستورية مشتركة مع رئيس الحكومة وتحت سقف موافقة مجلس الوزراء.

القاعدة الثانية؛ أن السلطة التنفيذية، حتى مجتمعة، ليست صاحبة القرار النهائي في جميع أنواع الاتفاقات، لأن بعض المعاهدات تحتاج حكماً إلى تصديق السلطة التشريعية.

القاعدة الثالثة، أن مبدأ المسؤولية السياسية يمنع تحويل التفاوض الخارجي إلى عمل شخصي أو حزبي أو موازي لمؤسسات الدولة.

أما بالنسبة لرئيس الحكومة، فإن موقعه الدستوري بعد اتفاق الطائف أصبح محورياً في إدارة السلطة التنفيذية، لكنه لا يملك منفرداً صلاحية التفاوض النهائي أو إبرام المعاهدات بمعزل عن رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. فالحكومة وفق المادة 65 من الدستور هي السلطة التي ترسم السياسة العامة للدولة، لكن ذلك لا يعني أن رئيس الحكومة يستطيع إنشاء التزامات دولية باسم الدولة من دون المرور بالآليات الدستورية.

أما رئيس مجلس النواب، فالوضع الدستوري أكثر وضوحاً. لا يمنح الدستور اللبناني رئيس المجلس النيابي أي اختصاص أصيل في التفاوض أو إبرام المعاهدات الدولية باسم الدولة. دوره يظهر لاحقاً في المجال التشريعي عندما تكون المعاهدة من النوع الذي يتطلب موافقة المجلس. وبالتالي فإن أي تفاوض يقوم به رئيس المجلس مع جهات خارجية لا يكتسب بذاته صفة العمل التعاهدي الملزم للدولة إلا إذا تُرجم ضمن المسار الدستوري الرسمي. أما اللقاءات السياسية أو الوساطات أو التفاهمات البرلمانية أو الاتصالات الدبلوماسية فلا ترقى قانوناً إلى مرتبة المعاهدة الدولية ما لم تستوفِ شروط الإبرام والتصديق.

غير أن الإشكالية الأكثر حساسية تتعلق بالسؤال: هل يجب اطلاع الشعب اللبناني على كامل مضمون الاتفاقية أو المعاهدة؟

الإجابة هنا تحتاج إلى تمييز بين ثلاث دوائر مختلفة: الإبرام، والنشر، والشفافية.

من حيث الإبرام، الدستور لا يفرض استفتاءً شعبياً على المعاهدات كما هو الحال في بعض الأنظمة المقارنة.

ومن حيث النفاذ، فإن القاعدة العامة في القانون اللبناني تقوم على أن القواعد القانونية التي تُرتّب آثاراً عامة لا تصبح قابلة للاحتجاج على الأفراد إلا بعد نشرها وفق الأصول القانونية. لذلك فإن المعاهدات التي تصبح جزءاً من المنظومة القانونية اللبنانية تُفترض قابليتها للوصول والمعرفة.

أما من حيث الشفافية الديمقراطية، فإن المبدأ الدستوري الحديث المستمد من مقدمة الدستور التي تؤكد أن الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يفرض مستوى مرتفعاً من العلنية، خصوصاً في الاتفاقات التي تمس الحقوق العامة أو السياسات الاقتصادية أو الحدود أو الأمن الوطني أو الموارد الطبيعية.

لكن هل يعني ذلك عدم جواز وجود أجزاء غير معلنة؟

في الفقه الدولي والقانون المقارن، يوجد تمييز بين المعاهدة السرية والملحق السري والاتفاق التنفيذي السري.

المعاهدة السرية هي اتفاق كامل غير معلن بين دولتين أو أكثر.

الملحق السري هو جزء متمم لاتفاق معلن لكنه غير منشور.

الاتفاق التنفيذي السري هو تفاهم تطبيقي يُبرم لتنفيذ اتفاق معلن دون نشر كامل تفاصيله.

القانون الدولي لا يحظر بالمطلق السرية، لكن يضع عليها قيوداً. فقد أدى التاريخ الدولي، خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى، إلى اتجاه عالمي يفضّل تسجيل المعاهدات ونشرها منعاً للدبلوماسية السرية.

أما في لبنان، فالإشكالية ليست في وجود معلومات أمنية أو دفاعية محجوبة مؤقتاً، بل في السؤال: هل يجوز إخفاء التزامات قانونية أو سياسية ملزمة للدولة عن المؤسسات الدستورية أو عن الشعب بصورة دائمة؟

الجواب الدستوري يميل إلى عدم الجواز.

فإذا احتوت الملاحق غير المعلنة على التزامات تمس المالية العامة أو السيادة أو الحقوق أو السياسات العامة ولم تُعرض على الجهة الدستورية المختصة، فإن الإشكال لا يعود مسألة شفافية فقط، بل قد يتحول إلى عيب دستوري في تكوين الإرادة الدولية للدولة.

ومن هنا تظهر التبعات القانونية.

إذا أخفيت معاهدة أو جزء جوهري منها عن مجلس الوزراء أو مجلس النواب رغم وجوب عرضه، فقد يؤدي ذلك إلى الطعن بشرعية الإجراء الدستوري وإثارة مسؤولية سياسية ودستورية على من تجاوز الأصول.

وإذا أدى الإخفاء إلى إنفاق أموال عامة أو ترتيب التزامات مالية، فقد تثار مسؤوليات مالية وإدارية وربما جزائية بحسب طبيعة الفعل والنتائج.

أما إذا ثبت أن مسؤولاً وقّع التزامات باسم الدولة خارج صلاحياته، فقد يواجه نظرياً مسؤولية سياسية أو اتهامات متصلة بمخالفة الدستور أو تجاوز السلطة وفق الآليات الخاصة بمحاكمة الرؤساء والوزراء.

لكن يجب التمييز هنا بين المسؤولية تجاه الشعب والمسؤولية القانونية القضائية؛ فليس كل اتفاق غير معلن يُعد تلقائياً غير دستوري، كما أن السرية المؤقتة لأسباب تفاوضية أو أمنية لا تُساوي بالضرورة مخالفة دستورية، شرط ألا تتحول إلى وسيلة لإخفاء مضمون الالتزامات النهائية أو الالتفاف على الرقابة المؤسسية.

في المحصلة، يقوم النظام الدستوري اللبناني على مبدأ واضح: الدولة اللبنانية لا تُلزم بإرادة فرد، والمعاهدة ليست ملكاً للسلطة التي تفاوض عليها بل التزاماً وطنياً عاماً. لذلك فإن الشرعية التعاهدية في لبنان تقوم على ثلاثة أعمدة متلازمة: الاختصاص الدستوري الصحيح، والموافقة المؤسسية الواجبة، والحد الأدنى من العلنية الذي يضمن حق المجتمع في معرفة الالتزامات التي تُرتب باسمه. وكلما اتسعت المسافة بين الاتفاق المعلن وما هو مخفي، انتقل الإشكال من حقل الدبلوماسية إلى حقل الشرعية الدستورية ذاته.

المنشورات ذات الصلة