عاجل:

"عينك عَ لبنان"… معركة ضد تطبيع الوعي وكسر البوصلة الوطنية

  • ٥١

في بلدٍ لم يتوقف فيه هدير الطائرات المسيّرة عن اختراق السماء، ولم تتوقف فيه الاعتداءات الإسرائيلية عن ملامسة تفاصيل الحياة اليومية، تبدو المعركة أبعد من كونها نزاعاً على حدود أو مواجهة عسكرية مفتوحة. فبالنسبة إلى الدكتورة لور أبي خليل،دكتورة في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، المعركة اليوم انتقلت أيضاً إلى مساحة أكثر حساسية وتعقيداً: الوعي الجماعي، والذاكرة الوطنية، والقدرة على التمييز بين السلام كقيمة إنسانية وبين التطبيع مع عدو لا يزال يحتل أرضاً لبنانية وينتهك السيادة بشكل يومي.


من هذه القناعة، أطلقت أبي خليل، إلى جانب أكاديميين وإعلاميين وباحثين وناشطين وشباب لبنانيين، مبادرة «عينك عَ لبنان»، وهي مبادرة وطنية إعلامية وثقافية تسعى إلى تعزيز الوعي الوطني، ومواجهة محاولات التطبيع الثقافي والإعلامي، والدفاع عن السيادة والهوية والذاكرة اللبنانية، في ظل التحولات السياسية والإعلامية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.


وترفض أبي خليل تصوير المبادرة على أنها محاولة لاستعادة وعي جيل بأكمله دفعة واحدة، معتبرة أن معركة الوعي لا يمكن أن تُحسم بمبادرة واحدة أو بفعالية ثقافية منفردة، لكنها في الوقت نفسه ترى أن الصمت لم يعد خياراً.


وتقول إن الحملة تشكّل بداية مسار طويل من المواجهة الثقافية والإعلامية، بالتعاون مع مبادرات أخرى، بهدف الحد من التشويه والسرديات المضللة، مؤكدة أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية مخاطبة جيل يعيش يومياً تحت وقع الانتهاكات الإسرائيلية، لكنه يتلقى في المقابل روايات متناقضة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.


وتضيف: «حين يسمع الشاب اللبناني صوت المسيّرات فوق رأسه كل يوم، ويرى القصف والاعتداءات المتكررة، يصبح مفهوم السيادة أكثر وضوحاً. لكن التحدي يكمن في كيفية الحفاظ على هذه القناعة في زمن تُختصر فيه القضايا الكبرى بمقاطع قصيرة ومنشورات عابرة».


وتلفت إلى أن السنوات العشر الأخيرة شهدت تراجعاً ملحوظاً في اهتمام الشباب بالشأن الثقافي، في وقت باتت وسائل التواصل الاجتماعي المساحة الأساسية التي يقضون فيها معظم أوقاتهم. وتشير إلى أن دراسات أجريت داخل الجامعة اللبنانية أظهرت ضعفاً في الثقة بالدولة ورفضاً لبعض الخطابات الوطنية، لأن فئة واسعة من الشباب باتت تنظر إليها بوصفها امتداداً للصراعات السياسية التقليدية.


لهذا السبب، تؤكد أبي خليل أن الحملة لا تتوجه إلى الشباب بلغة الوعظ أو التخوين، بل تسعى إلى فتح مساحة للأسئلة والنقاش، قائلة: «نسأل الشباب كيف ينظرون إلى الانتهاكات الإسرائيلية، وكيف يفهمون مفهوم السيادة، وكيف يميّزون بين السلام كقيمة إنسانية وبين التطبيع مع عدو لا يزال يحتل أرضاً لبنانية وينتهك سيادتنا يومياً».


وتعتبر أن الحفاظ على الذاكرة الوطنية بات تحدياً مضاعفاً في عصر المنصات الرقمية، مشددة على أن استعادة الوعي تتطلب عملاً تراكمياً يبدأ من المدرسة والجامعة والإعلام والأسرة، وصولاً إلى كل ما يُعرف بالوسطاء الاجتماعيين الذين يساهمون في تشكيل الوعي الجماعي.


وفي معرض حديثها عن تنامي الأصوات التي تدعو إلى إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، ووصول بعضها إلى حد المطالبة بفتح سفارة إسرائيلية في بيروت، تصف أبي خليل هذه الظاهرة بأنها «مؤشر مقلق».


وتسأل: «كيف تحولت قضية التطبيع إلى مسألة إدارية أو دبلوماسية عادية؟ كيف أصبح الحديث عن العلاقات مع إسرائيل يتقدّم على الحديث عن استمرار الاحتلال، وعن الأراضي اللبنانية المحتلة، وعن خطف اللبنانيين، وعن مئات الأطفال الذين سقطوا ضحايا للحرب، وعن عقود طويلة من الاعتداءات؟».


وترى أن هذه الأصوات لا تعبّر عن رأي عام لبناني آخذ في الاتساع، بل تمثل فئات محددة يجري تضخيم حضورها إعلامياً، بما يخلق انطباعاً مضللاً بأن التطبيع أصبح أمراً طبيعياً ومقبولاً.


وتستشهد بدراسات أكاديمية أظهرت أن أكثر من ثمانين في المئة من اللبنانيين ما زالوا يعتبرون إسرائيل عدواً، معتبرة أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في طرح هذه الأفكار، بل في اعتياد المجتمع على سماعها، والتعامل معها بوصفها مجرد رأي آخر قابل للنقاش.


وتقول: «نحن نرفض تحويل العدو إلى وجهة نظر، أو الاحتلال إلى تفصيل، أو السيادة إلى مسألة قابلة للمساومة. الأخطر من الظاهرة نفسها هو الصمت عنها».


أما عن مسؤولية تراجع الوعي الوطني، فتشدد أبي خليل على أن الأمر لا يمكن اختزاله بجهة واحدة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة.


فالدولة، بحسب رأيها، كانت شبه غائبة عن أداء دورها في بناء سردية وطنية جامعة، فيما انشغلت الأحزاب بمصالحها وصراعاتها السياسية أكثر من انشغالها ببناء الإنسان. كما شهدت المؤسسات التربوية تراجعاً في تدريس مفاهيم المواطنة والهوية والسيادة، في حين تحوّل جزء من الإعلام إلى مساحة للاستقطاب والسعي وراء نسب المشاهدة، على حساب الدقة والمعرفة.


وتعتبر أن من الصعب مطالبة الشباب بالتمسك بالدولة والدفاع عنها، إذا كانت عاجزة عن تأمين العدالة الاجتماعية، والأمن الغذائي، والاستقرار الوظيفي، أو عن منح مواطنيها الشعور بأنهم محميون داخل وطنهم.


ورغم الإقرار بحجم الانقسامات الداخلية والأزمات السياسية والاقتصادية التي يعيشها اللبنانيون، ترفض أبي خليل أن يتحول الإحباط من أداء الدولة أو الغضب من الطبقة السياسية إلى مبرر لإعادة تعريف العدو أو تبرير العدوان.


وتقول: «قد نختلف حول الكثير من القضايا الداخلية، لكن لا يمكن أن نختلف على البوصلة الوطنية. لا يجوز أن يتحول الغضب من السلطة إلى تبرير للاحتلال، أو أن يُستخدم فشل الدولة لإعادة صياغة الحقائق».


وتضيف أن الاحتلال يجب أن يُسمى باسمه، كما يجب تسمية الانتهاكات والتهجير والقتل وتدمير القرى بأسمائها، مؤكدة أن ما يتعرض له لبنان لا يقتصر على تدمير الحجر، بل يطال الذاكرة والهوية والمكان.


وتشدد على أن حملة «عينك عَ لبنان» لا تريد إنتاج خطاب تعبوي أو تخويني، بل تسعى إلى استعادة الثقة وفتح نقاش وطني هادئ حول كيفية حماية لبنان في زمن تتعرض فيه السيادة لمحاولات تطبيع متكررة.


وتختم بالقول: «لبنان يحتاج اليوم إلى كل كلمة صادقة، وكل فكرة تدعو إلى التماسك، وكل أغنية تحفظ الذاكرة، وكل مقال يكشف الحقيقة، وإلى كل شاب يرفض أن يكون متلقياً سلبياً. فالدفاع عن السيادة ليس شعاراً سياسياً، بل شرط أساسي لحفظ الكرامة الإنسانية»

المنشورات ذات الصلة