عاجل:

لبنان .. حين تستعيد الدولة وظيفتها

  • ٤٥

بقلم الكاتب الصحفي والمحلل الاستراتيجي حيدر صبي


هل دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة توزيع النفوذ؟

ليست جميع الحروب تُحسم عند آخر رصاصة، كما أن الاتفاقات السياسية لا تُقاس بعدد بنودها. فمنذ أن عرف الإنسان الدولة، كانت الحروب تُخاض بالسلاح، بينما تُكتب نتائجها بالحبر. لذلك كثيراً ما احتفل المنتصرون بانتهاء المعارك، قبل أن يكتشفوا أن الخرائط السياسية انتزعت منهم ما عجزت الجيوش عن أخذه.


هكذا سقطت الإمبراطوريات. فالإمبراطورية الرومانية لم تبدأ أفولها عندما تراجعت جيوشها، بل حين فقدت قدرتها على إدارة أطرافها البعيدة. وكذلك لم تتراجع الإمبراطورية البريطانية بخسارة آخر مستعمرة، بقدر ما تراجعت عندما فقدت أدوات نفوذها القديمة قدرتها على صناعة الوقائع.


الشرق الأوسط ليس استثناءً من هذه القاعدة. فالمنطقة التي عاشت عقوداً على إيقاع الحروب والانقلابات والمشروعات العابرة للحدود، تبدو اليوم وكأنها تدخل مرحلة تتراجع فيها أسئلة الميدان لصالح أسئلة الدولة، ويتقدم فيها مفهوم السيادة على الجغرافيا العسكرية.


من هنا، تبدو القراءة التقليدية للاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل قاصرة عن إدراك أبعاده. فقد انشغل كثيرون بالانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار، بينما يبقى السؤال الأهم: من ستكون له الكلمة الأمنية في جنوب لبنان بعد انتهاء المرحلة الانتقالية

.

منذ انتهاء حرب تموز عام 2006، قامت معادلة الجنوب اللبناني على توازن معقد بين الدولة اللبنانية والواقع العسكري الذي فرضه حزب الله. ومع مرور السنوات، أصبحت هذه المعادلة إحدى أهم ركائز النفوذ الإيراني في المشرق العربي، لأن الحزب لم يكن مجرد حليف سياسي لطهران، بل أداة رئيسية في إدارة واحدة من أكثر جبهات المنطقة حساسية.


اليوم، يفتح الاتفاق الإطاري الباب أمام معادلة مختلفة. فالعبرة لن تكون بما تنص عليه بنوده، بل بما سينتهي إليه تنفيذها. فإذا تولى الجيش اللبناني مسؤولية المناطق التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي، فإن التحول لن يقتصر على الجانب الأمني، بل سيمثل خطوة باتجاه استعادة الدولة إحدى أهم وظائفها السيادية.


فالدولة، في تعريفها الكلاسيكي، تحتكر الاستخدام الشرعي للقوة داخل حدودها. وكلما استعادت هذه الوظيفة، استعادت معها جزءًا من سيادتها.


من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الاتفاق بوصفه محاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية، لا عبر مواجهة مباشرة مع حزب الله أو اشتراطات تتعلق بسلاحه، وإنما عبر توسيع دور المؤسسات الرسمية في إدارة الملف الأمني.


وإذا كُتب لهذا المسار النجاح، فسيتغير جوهر النقاش داخل لبنان. فبدلاً من السؤال: من يملك القوة؟ سيصبح السؤال: من يملك شرعية إدارة القوة؟


وهنا يكمن الفارق. فالنفوذ لا يتراجع بالهزيمة العسكرية وحدها، بل يتقلص أيضًا عندما تنتقل وظائف الدولة من التوازنات غير الرسمية إلى المؤسسات الشرعية.


لذلك، يتجاوز الاتفاق الإطاري كونه وثيقة لتنظيم الانسحاب، ليصبح اختبارًا سياسياً لمعادلة حكمت الجنوب اللبناني لما يقارب عقدين من الزمن



إن نجاح هذه الفرضية يتوقف على سلوك الأطراف المعنية بتنفيذها. وهنا يبدأ الفصل الأكثر تعقيداً، لأن الاختبار الحقيقي لن يكون في تل أبيب، بل في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يجد حزب الله نفسه أمام واقع سياسي جديد يفرض عليه الموازنة بين الحفاظ على خطابه أمام جمهوره والتكيف مع استحقاقات مرحلة قد تختلف عن كل ما سبقها.


فالتحدي الذي يواجه الحزب لا يكمن في نص الاتفاق، بقدر ما يكمن في تداعياته السياسية. فإذا مضت إسرائيل في تنفيذ انسحابها، وانتشر الجيش اللبناني في المناطق المحددة، فسيجد الحزب نفسه أمام معادلة لم يعتدها منذ سنوات.


فالقبول بانتشار الدولة يعني توسيع حضور المؤسسات الرسمية في الجنوب، بما قد يُفهم بوصفه انتقالًا تدريجيًا لبعض الوظائف الأمنية إلى الدولة. أما تعطيل هذا المسار، فسيضع الحزب في مواجهة اتهامات داخلية وخارجية بعرقلة استعادة الدولة لدورها، كما قد يمنح إسرائيل هامشًا سياسيًا أوسع لتبرير أي تصعيد إذا انهارت التفاهمات.


لهذا، لا يبدو الاتفاق اختباراً لطرف واحد، بل لجميع الأطراف. فإسرائيل مطالبة بإثبات التزامها بالانسحاب، والدولة اللبنانية مطالبة بإثبات قدرتها على إدارة المناطق التي ستتسلمها، فيما يواجه حزب الله اختبارًا لا يقل صعوبة، يتمثل في التوفيق بين خطابه التاريخي ومتطلبات الواقع الجديد.


ولعل هذا هو البعد الأهم في الاتفاق؛ إذ ينقل مركز الثقل من ساحات القتال إلى ساحات القرار السياسي . 


عند الانتقال إلى طهران، تتسع زاوية الرؤية. فإيران لم تبنِ نفوذها الإقليمي على حزب الله وحده، بل على شبكة واسعة من الحلفاء في أكثر من ساحة عربية. إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت تراجع فاعلية بعض هذه الأدوات، بفعل الضربات العسكرية والتحولات التي شهدتها دول الإقليم.


ولا يعني ذلك أن طهران تتجه إلى التخلي عن حلفائها، بقدر ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن هامش حركتهم لم يعد بالاتساع الذي كان عليه خلال العقدين الماضيين.


ومن هنا، تتجه إيران إلى تعزيز الأوراق التي تملك السيطرة المباشرة عليها. فالجغرافيا لا تُستهدف كما تُستهدف التنظيمات، ومضيق هرمز، إلى جانب البرنامج النووي والقدرات الصاروخية، يمثل عناصر قوة تحتفظ طهران بالسيطرة عليها دون وسيط.


لذلك، يبدو أن مركز الثقل في الاستراتيجية الإيرانية يتجه تدريجياً نحو تعزيز أوراق السيادة المباشرة، مع الإبقاء على شبكة الحلفاء بوصفها أداة إسناد، لا الركيزة الوحيدة في معادلة النفوذ


يبقى السؤال الأهم: هل ينجح هذا المسار في إعادة تشكيل المشهد اللبناني، أم أن المنطقة تقف أمام هدنة قصيرة تسبق جولة جديدة من الصراع؟


الإجابة لا يملكها طرف واحد، فالأشهر المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت بنود الاتفاق ستتحول إلى وقائع ثابتة، أم ستبقى رهينة الحسابات السياسية والعسكرية. وإذا كانت مهلة الستين يوماً تمثل الاختبار الأول، فإن جوهرها يكمن في قدرة جميع الأطراف على الوفاء بالتزاماتها.


فإسرائيل مطالبة بإثبات أن الانسحاب ليس مناورة مؤقتة، والدولة اللبنانية مطالبة بإثبات قدرتها على بسط حضورها الميداني، فيما يواجه حزب الله اختباراً لا يقل تعقيداً، يتمثل في التوفيق بين خطابه التاريخي ومتطلبات واقع سياسي جديد.


لكن المشهد لا يقتصر على لبنان وحده. فأي تعثر في تنفيذ الاتفاق، أو أي انهيار في مسار التفاهمات الأوسع بين واشنطن وطهران، قد يعيد المنطقة إلى دورة جديدة من التصعيد، وإن في ظل موازين قوى تختلف عما عرفه الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين.


لقد أثبتت الحروب الأخيرة أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على فرض النتائج، وأن النفوذ، مهما اتسعت ساحاته، يبقى بحاجة إلى مراجعة مستمرة لأدواته. لذلك، تبدو المنطقة اليوم أمام مرحلة يعيد فيها الجميع ترتيب أوراقه وفق قواعد آخذة في التشكل.


ومن هنا، يصعب قراءة المشهد اللبناني بمعزل عن بغداد أو دمشق أو طهران أو الخليج، بعدما أصبحت هذه العواصم حلقات في معادلة إقليمية واحدة، يؤثر تغير إحداها في الأخرى.


لهذا، قد يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى الاتفاق الإطاري بوصفه نهايةً لمواجهة بين لبنان وإسرائيل، بينما يبدو، في جوهره، بداية اختبار طويل لشكل النظام الإقليمي الذي يتكون أمام أعيننا.


فالشرق الأوسط اعتاد أن يقيس القوة بعدد الصواريخ واتساع رقعة النفوذ، لكن التحولات الكبرى تبدأ غالبًا عندما يتغير تعريف القوة نفسها.


ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نشهد إعادة توزيع حقيقية لأدوات النفوذ في الشرق الأوسط، أم مجرد إعادة تموضع فرضتها نتائج الحرب؟


الإجابة لن تكتبها البيانات الرسمية ولا المؤتمرات الصحفية، بل الوقائع التي ستتشكل على الأرض خلال السنوات المقبلة.


وعندها فقط سيدرك الجميع أن بعض الاتفاقات لا تنهي الحروب، بل تنقلها إلى مرحلة جديدة، تتبدل فيها الأدوات، وتتغير الأولويات، بينما يبقى الصراع أكثر هدوءًا… وأكثر عمقاً .

المنشورات ذات الصلة