عاجل:

البرج الذي "يتنفس": كيف تُعيد شمس الصيف تشكيل برج إيفل؟

  • ١٥

قد تبدو المعالم المعمارية الكبرى كأنها منحوتات صلبة وخالدة لا تتحرك، لكن برج إيفل الشهير في باريس يمتلك سرًً مذهلًا؛ فهو ليس مجرد هيكل حديدي جامد، بل يتصرف كأنه "كائن حي" يتنفس مع فصول السنة، فيزداد طوله ويميل بجسده استجابة لطقس العاصمة الفرنسية!

خلال ذروة الصيف، عندما تشتد أشعة الشمس، يرتفع هذا المعلم الباريسي بمقدار يصل إلى 15 سنتيمترًا كاملة، في ظاهرة فيزيائية تثير الدهشة، لكنها تعتمد على قانون علمي بسيط، التمدد الحراري للمواد الصلبة.

رقصة الذرات تحت أشعة الشمس

بُني البرج عام 1889 من حديد مصقول خاص يزن أكثر من 7000 طن. هذا الحديد يتكون من شبكة بلورية من الذرات التي تهتز باستمرار. وعندما تسطع الشمس وترتفع حرارة معدن البرج الداكن إلى 40 درجة مئوية أو أكثر، تمتص هذه الذرات طاقة حرارية هائلة، مما يجعلها تهتز بعنف أكبر وتتباعد عن بعضها بحثًا عن مساحة أوسع.

ونتيجة لضخامة البرج الذي يبلغ ارتفاعه نحو 330 مترًا، فإن هذا التباعد الضئيل بين ملايين الذرات يتراكم عبر الدعامات الأربع والأبراج المركزية، ليترجم في النهاية إلى زيادة مرئية في الطول تتراوح بين 12 و15 سنتيمترًا. وفي الشتاء، يحدث العكس تمامًا؛ ينكمش البرج ويعود إلى حجمه الطبيعي مع برودة الجو وتراص الذرات.

الهروب إلى الظل: 

لا يكتفي برج إيفل بالنمو الطولي في الصيف، بل إنه يميل أيضًا! نظرًا لأن الشمس تضرب جانبًا واحدًا منه طوال اليوم، فإن الجانب المواجه للحرارة يتمدد أكثر من الجانب المظلل، مما يجبر قمة البرج على الانحناء في الهواء بحركة دائرية لطيفة تصل إلى 18 سنتيمترًا بعيدًا عن الشمس باتجاه الظل.

عبقرية غوستاف إيفل: المرونة هي سر البقاء

لم تكن هذه الحركة المفاجئة غائبة عن بال المهندس العبقري غوستاف إيفل. فخلال القرن التاسع عشر، صمم إيفل البرج بمرونة فائقة مستخدمًا ملايين المسامير ( البراشيم) لربط القطع المعدنية دون تجميدها بالكامل.

لو كان البرج صلبًا وصلدًا بشكل مطلق، لكانت الضغوط الميكانيكية الداخلية الناتجة عن تمدد الحديد في الصيف كافية لتمزيق عوارضه المعدنية وتدميره بالكامل. لكن البرج ينجو كل عام لأنه "يتعلم كيف ينحني".

يبقى برج إيفل، بعد أكثر من قرن على تشييده، دليلًا حيًا على أن الاستقرار الحقيقي والخلود في وجه تقلبات الطبيعة لا يأتيان من القوة المحضة، بل من القدرة على إظهار المرونة والتكيف.

المنشورات ذات الصلة