اشار رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، في مقابلة مع صحيفة "الراي" الكويتية تنشر غدًا، الى ان "اتفاقُ - الاطار الذي وقع بين لبنان والولايات المتحدة واسرائيل ليس شيطانياً، بل ما وَصَلْنا إليه كان هو الوضعية الشيطانية بكل ما للكلمة من معنى، حيث زُجّ لبنان وشعبه في أوضاع بائسة ومدمّرة نعيشها منذ أكثر من 40 عاماً في شكل أو آخَر وبتموّجاتٍ متفاوتة في عَصْفها، ومَنَعَتْ على بلدنا أي تطوّرٍ أو تَقَدُّمٍ فعلي، وأدت الى موجاتِ هجرة لشبابنا وشاباتنا الذين بحثوا عن المستقبل خارج وطنهم. وهذه هي الأوضاع الشيطانية وليس اتفاق - الإطار. ولا شك في أن الاتفاق ليس مثالياً، ولكن كأيّ اتفاقٍ فهو يعكس موازين القوى التي أُنجز في ظلّها. وللأسف، فإن "حزب الله" وَضَعَ لبنان في ورطة، لم يكن هناك مجال لمحاولة الخروج منها، إلا بالذهاب لهكذا اتفاقٍ أعتبره اتفاق الضرورة التي أوْجَدَنا فيها الحزب".
اضاف: "أما لماذا أعتبر أن هذا أهمّ عمل قامتْ به الحكومة اللبنانية في الأعوام الخمسين الماضية، فلأن الاتفاقَ يعني القَفْلَ النهائي للخاصرة النازفة والمتفجّرة في جنوبنا والتي حوّلت لبنان ساحةً للعبَث به كرمى لمصالح خارجية. وكانت لدينا اتفاقية الهدنة (1949)، وخيراً فعل مَن أقرّوها مِن أسلافنا، ولكن للأسف وبحلول العام 1964 بدأ التلاعب بهذا الاتفاقية، بل تم الضرب بها عرض الحائط، هي التي كان كلٌّ من لبنان واسرائيل بموجبها، يتحمّلان مسؤولية أي هجماتٍ عسكرية تتم عبر أراضيهما ضدّ الفريق الآخر".
وتابع: "منذ أن راحتْ تتوالى المقاوماتُ على الحدود الجنوبية للبنان، فُتحت أبواب جهنم علينا، من المقاومة الفلسطينية ابتداءً من 1964 و 1965، وصولاً للمقاومة الوطنية في أوائل الثمانينات، وليس انتهاءً بالمقاومة الاسلامية مع “الحزب”” من منتصف الثمانينات وما بعدها. وتَسبَّبتْ هذه الخاصرة المتفجّرة والملتهبة في شكلٍ دائم بالتهابِ لبنان بعدما صار في وضعيةٍ متفجّرة – وإن لم تكن الأعمال العسكرية في كل أنحائه – وبتقويضِ ركائز الدولة ومُصادَرة قرار الحرب والسِلم منها، وبجَعْل الحياة الوطنية والسياسية رهينة المغامراتِ والتعطيل وتعريض البلاد للانهيارات الاقتصادية والمالية التي طالت كل بيت وعائلة".
واردف: "وأهميةُ الاتفاق الذي وُقّع في واشنطن أنه لن يُنْهي الحربَ فقط، بل سيقفل هذه الخاصرة مرةً لكل المرات، بما يتيح أن يعود لبنان دولةً طبيعيةً، وذلك بمعزلٍ عن بعض تفاصيل الاتفاق التي كنا نتمنى أن تكون أفضل، ولكن هذا لم يكن مُمْكِناً انطلاقاً من موازين القوى الموجودة".
سئل: ولكن الإشكالية التي تواجه الاتفاقَ تكمن في أن لبنان قال كلمتَه ووضَع “خَتْمَه” الرسمي عليه في حين أن نفوذ ايران في لبنان يرتكز على ان “الخاتمة” لملف “الحزب” وسلاحه في يدها وأن الحزب يملك مفاتيح تنفيذ التزامات الاتفاق، وهو أعلن جهارةً أنه “وُلد ميتاً”، وتالياً ما الذي سيجعل المسار التنفيذي لهذا الاتفاق مختلفاً عن مصير مجمل القرارات التي اتخذتْها الحكومة منذ اغسطس 2025؟
اجاب:"أمور كثيرة. ويجب النظر في هذا الإطار إلى الصورة الكبيرة التي تحوط بلبنان كما الحزب، فالحزب بات في وضعيةٍ مختلفة، بحيث لم يَعُدْ اليوم، في عدّه وعديده، هو نفسه ما كان عليه في 2023 وحتى في 2024. ونظامُ الأسد، الذي كان من العوامل الاستراتيجية الأهمّ التي حرّكتْ “الحزب”، سَقَطَ وقام مكانه نظامٌ بديل يرفض كل ممارساته وسياساته وأدواره. والدولة اللبنانية الحالية مختلفة عما عرفْناه في المراحل السابقة، والتراكم الذي حصل منذ عام ونصف عام حتى الآن، أي منذ انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، ليس قليلاً. ناهيك عن أن ميزان القوى العام في المنطقة ككلّ، وخصوصاً بعد حرب إيران، تبدّل.
ومن هنا، نحن أمام عوامل مختلفة تماماً، تجعل “الحزب” في موقع أضعف بكثير مما كان عليه، والدولة اللبنانية في وضعية أقوى بكثير مما كانت عليه. وهذا ما يجعلني أقول إن الاتفاق الإطار لا يمكن إلا أن يَنْتهي بالتنفيذ.تاريخ الأحزاب".
سئل: في ضوء الإقرار بأن مَضامين الاتفاق الإطار ربما تعكس أن وَضْعَ لبنان التفاوضي لم يكن في أفضل حاله … لماذا تصرّون على “شَيْطنة” مسار إيران، وماذا يضير لبنان لو تَرَكَ لطهران أن تحصّل انسحاباً اسرائيلياً من دون أثمان، كما نجحتْ في فرْض التزام اسرائيل بوقف النار وإدراج هذا الأمر في البند الأول من مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة؟
اجاب: "أولاً ليست إيران مَن فَرَضتْ وَقْفَ نارٍ في لبنان بل الرئيس دونالد ترامب لاعتباراتٍ تتعلّق به وتوْقه إلى الظهور بمظهر مَن يُنْهي الحروب. ورغم أن إيران طلبتْ أن يُشمل لبنان بوقف النار الشامل في المنطقة، فإن تَراجُع العمليات العسكرية في شكل كبير جداً لم يحصل إلا بعد الاتفاق الإطار اللبناني – الاسرائيلي، وقبْلها كانت الحرب وكأنها مستمرّة في الجنوب، وتالياً ليس صحيحاً أن طهران جاءت بوقْف نارٍ جِدي في لبنان.
أما قول إن إيران كانت ستحصّل للبنان انسحاباً اسرائيلياً، فهذا افتراضٌ في الهواء، لأنها لم تتمكّن أولاً من الإتيان بوقف نارٍ جِدي، وإن كانت استطاعتْ إدراجَه كلامياً في مذكّرة التفاهم مع الولايات المتحدة. وحتى الأميركيون، وفي ضوء ما صَدَرَ عن مسؤولين اسرائيليين، لا يمكنهم أن يَأخذوا من اسرائيل الانسحاب كما ينبغي.
والأهمّ، نحن لا نُشَيْطِنُ مسار إسلام أباد، فدور إيران في لبنان هو “المُشيْطَن” بطبيعته. وعندما تسعى طهران لوقْف نارٍ في لبنان – ولنسلّم جَدَلاً أنها ستنجح في ذلك، وطبعاً هذا أقصى ما يمكن أن تأتي به – فإنها لن تفعل ذلك لمصلحة لبنان بل لمصلحة دورها فيه، والفارق هائل بين الأمرين. وأصلاً لم نصل إلى ما نحن عليه اليوم إلا بسبب استعمال إيران الساحة اللبنانية لتقوية وضعيّتها الاستراتيجية في المنطقة ككل، أو لتصفية بعض الحسابات. إذا المسألة ليست “وَداوِني بالتي كانت هي الداء.
ولنفترض نظرياً ولضروراتِ البحث ليس إلا، علماً أن لا إمكانية لذلك، أن إيران قادرة على أن تأتي بالانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان، فإن ذلك سيكون لمصلحة تقوية نفوذها في لبنان، وهو ما سيُلْحِق ضرراً به أكبر من الضرر الذي أصابه في الأعوام الأربعين الماضية. علماً أنه لم يَكُنْ هناك في أي يوم خلاف بين لبنان وإيران قبل النظام الحالي الذي لعب دوراً مدمّراً في بلدنا. ومن هنا لا يَعْنينا مسار إسلام أباد ولا غيره لأنه شأن المعنيين به، ونَعتبر أن هذه مصالح إيرانية. أما المصالح اللبنانية فلا أحد مسؤول عنها وعن صونها إلا الحكومة والحُكْم في لبنان. وفي النهاية هذا ما حصل، ومن هنا نحن مع مسار واشنطن.أخبار لبنان".
سئل: "بدأتْ ترتسم معالم “معركة” على دستورية الاتفاق الإطار وسط ملامح معادلة توحي باستبدال إسقاط الحكومة في الشارع بمحاولة إسقاط الاتفاق في مجلس النواب، والرئيس نبيه بري قال “إذا كانوا يَعتقدون أن الاتفاق سيمرّ في المؤسسات الدستورية، فهم لا يعرفون أنهم سيواجهون نبيه بري وكتلة نيابية كبيرة. في السابق واجَهوا نجاح واكيم وزاهر الخطيب، أما اليوم فسيواجهونني ومعي عدد كبير جداً من النواب”. كيف تَستشرفون هذه المعركة وكيف ستواجهونها؟
اجاب: "الرئيس نبيه بري لديه قدرة كبيرة على أن يَفتعل شيئاً مِن لا شي. ولنبدأ بتأكيد أننا مع أيِّ أَمْرٍ دستوريّ. ونحن مع أي تحرّك في إطار الدستور الفعلي. ولكن بخلاف ما يقوله الرئيس بري الآن، فكل الأجواء بالأمس واليوم تشير إلى أنه طَلَبَ ألا يُطرح الاتفاقُ الإطار حتى على مجلس الوزراء، لأنه يَعرف أن هناك أكثرية مع الاتفاق في الحكومة، وكذلك في البرلمان، وهذا مع احترامنا له ولكتلته ولآراء النواب الآخَرين.
ومن هنا، في المطلق ليست لدينا أي مشكلة في أي خطوة دستورية يقوم بها أي أحد، الرئيس بري أو “الحزب”. أبداً، أبداً، هذا حقهم الكامل. ولكن في رأيي أنهم لن يقوموا بأي خطوة على هذا الصعيد، لأنهم يَعرفون ماذا ستكون النتائج سواء في مجلس الوزراء أو مجلس النواب".
سئل: لا مشكلة لديكم أن يَذهب الأمر الى مجلس النواب؟
اجاب:"طبعاً لا مانع لدينا"..
سئل: في رأيكم، هل هذا النوع من الاتفاقات يتطلّب في المبدأ عَرْضه على مجلس الوزراء ومجلس النواب؟
اجاب: "بصراحة، هناك نقاشٌ دستوري ما زال مستمراً بين أقطاب في القانون الدستوري، حول إذا كان يتعيّن أن يذهب هكذا نوع من الاتفاقات، بحسب توصيفها، إلى مجلس الوزراء واستطراداً مجلس النواب، أم يَكْفي أن يوقّع عليها رئيسا الجمهورية والحكومة كما حصل في اتفاقية الترسيم البحري، أم يَكْفي عَرْضها على الحكومة فقط دون البرلمان. ولكن وبينما يستمرّ هذا النقاش، أريد أن أكرر أن ليست لدينا أي مشكلة في أي خطوة دستورية، شرط أن تكون دستورية".
سئل: هل أنتم مُطْمَئنون أن الأكثرية ما زالت أكثرية، وخصوصاً في ظل ملامح محاولة لجمْع تكتل سياسي – نيابي مُناهِض للاتفاق وكأن في الأمر “كميناً” له في البرلمان، هل لديكم خشية في هذا الإطار؟
اجاب: "أكرر أن ليست لدينا أي مشكلة في أي خطوة دستورية. وكما أرى من تصريحات بعض النواب، من ابراهيم منميمنة، إلى أحمد الخير وغيرهما، فإن هناك أكثرية نيابية مريحة مع الاتفاق الإطار. وهناك استطلاع رأي سريع جداً أُجري وأَظْهَرَ أن غالبية الشعب اللبناني مع هذا الاتفاق. وهذه الغالبية هي عند المسيحيين كما السنّة، وقسم لا بأس به وأكثر من السابق عند الشيعة، وهناك أكثرية كبيرة عند الدروز".
سئل: "هل من مشروعيةٍ للمخاوف من جَرٍّ مُبَرْمَجٍ للبنان الى الفوضى في توقيتٍ ما؟ وفي حال نَجَحَ “الحزب” ميدانياً وسياسياً في تعطيل الاتفاق الإطار أو إسقاطه ما مشروعكم البديل؟
اجاب: "اولاً الحزب، لن ينجح في إسقاط الاتفاق، لأنه في المؤسسات الدستورية حيث يُسقط ليست لدى الحزب إمكانية للقيام بذلك، لا في مجلس الوزراء ولا في مجلس النواب.
أما في ما يتعلّق بالسلم الأهلي وجرّ لبنان إلى الفوضى، فكما أرى الأمور أنه في ظل وجود الرئيس جوزاف عون والرئيس نواف سلام والحكومة الحالية والأكثرية الموجودة فيها، لن يَتركوا مجالاً لأي مساسٍ أو عَبَثٍ بالاستقرار. كما أنني أرى أن الأجهزة الأمنية، من جيش وقوى أمن داخلي، لن تقصّر في حماية الاستقرار ولا قلق لديّ في هذا الإطار، وذلك بمعزل عن اعتباري أنه كان حصل نوع من التقصير في تطبيق قرارت الحكومة في 5 و7 اغسطس 2025".
سئل: صَدَرَ عدد اليوم (امس) من "الراي" وعلى صدْر صفحتها الأولى الكويت ولبنان قلب واحد" وبالخط العريض، ودولة الإمارات سمحتْ لرعاياها بالسفر الى لبنان، والمملكة العربية السعودية كانت رَفَعَتْ الحظرَ عن الصادرات اللبنانية إليها … كيف تقرأون هذا الاحتضان الخليجي للوضع اللبناني في هذه اللحظة؟
اجاب: "لم تكن دول الخليج العربي يوماً، من المملكة العربية السعودية، والكويت والإمارات، وقطر وغيرها، إلا ظهيراً وسَنَداً للبنان. والمشكلة أنه في الأعوام العشر الأخيرة خصوصاً، لم يَعُدْ هناك دولة فعلية في لبنان، فشعرتْ دولُ الخليج بأن لا دولةَ شريكة لها في لبنان وأن الدولةَ صارت تحت سيطرة جماعةٍ مسلّحةٍ تناصب، في ايديولوجيتها وطرْحها السياسي ومسارها ككل، بلدانَ الخليج العربي العداء، فابتعدتْ تلك الدول بعض الشيء عن بلدنا.تاريخ الأحزاب
وبمجرّد أن بدأتْ الدولةُ في لبنان تَصحو وتُثْبِتُ وجودَها، مع الرئيس جوزاف عون والرئيس سلام والأكثريتيْن الحكومية والنيابية، أَخَذَتْ دولُ الخليج تعيد النظر في موقفها، من المملكة العربية السعودية التي عادت لتستقبل الصادرات اللبنانية، والآن مع دولة الإمارات التي عاودتْ السماح لمواطنيها بالسفر إلى لبنان. أما الكويت فلطالما وَقَفَتْ إلى جانب بلدنا في السراء والضراء، وهذه حال علاقة لبنان بدول الخليج التي لا تريد إلا الخيرَ لنا وأن تكون لنا دولة طبيعية، وأتوقّع أن يكون الحبل على الجرار في مزيد من الخطوات. فكلما أثبتتْ الدولةُ اللبنانية وجودَها وجدّيتها، كلما فتحتْ دول الخليج أبوابها وقلوبها للبنان على جري عادتها".