عاجل:

هل التفاوض مع "الشيطان الأكبر" حلال... ومع "الشيطان الأصغر" حرام؟

  • ٤١

لم تعد مسألة "التفاوض" مع الخارج مجرد ملف سياسي أو تقني يخضع لمصالح الدول وسيادتها، بل تحولت في القاموس السياسي للثنائي في لبنان إلى صكوك غفران وتهم تخوين تُوزع غبّ الطلب. والسؤال الذي يطرحه المنطق البسيط اليوم، بعيدًا عن الشعارات المستهلكة؛ "إذا كان التفاوض مع "الشيطان الأكبر" حلالًا لإيران، فلماذا يُصبح التفاوض لحماية لبنان حرامًا وخيانة؟

تخوض إيران، العرّاب الإقليمي لـ"محور الممانعة"، مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية، التي لطالما وُصفت في أدبياتهم بـ"الشيطان الأكبر" وتبرم معها الاتفاقات والصفقات بناءً على مصالحها القومية العليا. هنا، يبتلع الثنائي في لبنان ألسنتهم، وتتحول الواقعية السياسية الإيرانية إلى حنكة ودبلوماسية حكيمة. لكن عندما يتعلق الأمر بلبنان، الذي أُنهك وتهور أمنه واقتصاده بسبب التدخلات والمحاور الإقليمية، تتبدل الفتاوى؛ ويُمنع على الدولة اللبنانية بصفتها الشرعية أن تمارس حقها السيادي في حماية حدودها ومصالحها.

الأكثر غرابة، هو منطق "الخصوصية" الذي يسوقه المدافعون عن هذا التناقض، مبررين أن "إيران أدرى بمصلحتها". حسنًا، إذا كانت إيران تتفاوض لتأمين مصالحها، فلماذا يُراد للبنان أن يظل ساحة بريد وصندوق رسائل مشتعلًا؟ ولماذا لا يجرؤ أحد على قول "لا" لطهران، أو تذكيرها بأدبيات "الشيطان الأكبر" عندما تجلس على طاولة واحدة مع واشنطن؟

هذا التخبط يقودنا إلى السؤال الدستوري والسيادي الأهم "من يحق له التفاوض باسم لبنان؟ حزب الله أم الدولة؟"

الدستور اللبناني واضح ولا لبس فيه. بحسب المادة 52 من الدستور، فإن رئيس الجمهورية هو من يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. الدولة اللبنانية بمؤسساتها الشرعية هي الممر الإلزامي والوحيد لأي تفاوض، والتفاوض باسم الشعب لا يمكن أن يكون امتيازًا لـ"فصيل" أو "حزب" يستمد قراره من خارج الحدود.

أمام هذا الواقع، تبرز علامة استفهام كبرى حول أداء رئاسة البرلمان. لماذا لا يدعو الرئيس نبيه بري إلى جلسة نيابية علنية لمناقشة هذا الملف المصيري والتصويت عليه؟ الديمقراطية الحقيقية تقتضي أن تجتمع الهيئة الاشتراعية، ممثلة الشعب، لتقول كلمتها الفصل، بدل ترك مصير البلد معلقًا بقرارات أحادية تُفرض في الغرف المغلقة وتُسقط على اللبنانيين كأمر واقع.

إن اتهام الدولة اللبنانية بـ"التجريم" أو التخوين عندما تفاوض الشيطان الأصغر أي اسرائيل (سواء عبر وسطاء أو باتفاقات إطار) لتحصيل حقوقها، هو قمة التضليل. فالدولة، حين تفاوض من موقع السيادة والقانون الدولي، لا ترتكب جرمًا، بل تمارس أسمى واجباتها لحماية شعبها من مغامرات التهور والدمار. الجرم الحقيقي هو مصادرة قرار الدولة، وإبقاء لبنان رهينة لسياسة "الصيف والشتاء تحت سقف واحد"، حيث يحق لـ"الوليّ" ما لا يحق لـ"الوطن".

المنشورات ذات الصلة