في لحظة سياسية بالغة الحساسية، تتقاطع في سوريا ثلاثة مسارات متزامنة: انفجار دامٍ يهز قلب دمشق، ومحاكمات تلاحق رموز النظام السابق، وتحرك دبلوماسي نحو بيروت يعيد رسم معادلة العلاقة بين البلدين.
وفي قراءة معمّقة لهذا المشهد المتشابك، قدّم الكاتب الصحفي حسام طالب، خلال حديثه لبرنامج "التاسعة" على "سكاي نيوز عربية"، تحليلا كشف فيه عن الدلالات الأمنية والسياسية الكامنة خلف توقيت وموقع التفجير، وربطها بمسار العلاقات السورية اللبنانية، وسط تساؤلات عن دور إيران وحزب الله في المعادلة الجديدة.
دلالات مزدوجة خلف توقيت التفجير وموقعه
أكد طالب أن هذا التفجير الإرهابي يحمل دلالات واضحة لا يمكن فصلها عن طبيعة المنطقة المستهدفة.
وأوضح أن الحادثة وقعت في منطقة حيوية مكتظة بالسكان، تضم أسواقا شعبية ومكاتب محامين، وتتوسط أسواق دمشق التاريخية الكبرى كالحميدية وباب الجابية وباب السريجة، إضافة إلى قربها من مبنى البريد، وهو ما جعلها هدفا "خطيرا جدا" من حيث القدرة على إحداث أكبر عدد ممكن من الإصابات.
وأشار طالب إلى أن الرسالة السياسية الكامنة خلف التفجير مزدوجة، تستهدف الحكومة السورية والشعب في آن واحد، إذ تحمل مضمونا مفاده أن سوريا لا تزال غير مستقرة، رغم دخولها مرحلة جديدة تُتوَّج بانعقاد البرلمان بعد ثلاثة أيام، وما تحقق خلال العام الماضي من مؤشرات استقرار نسبي.
واعتبر طالب أن ضرب هذا الاستقرار في قلب العاصمة السورية وفي منطقة حيوية بالذات هو جوهر الرسالة الموجهة.
من وراء التفجير؟.. فرضيتان لا ثالث لهما
في قراءته لهوية الجهة المنفذة، حصر طالب الاحتمالات في فرضيتين لا ثالث لهما: الأولى تنظيم داعش، والثانية جهة مرتبطة بإيران.
واستبعد طالب الفرضية الأولى استنادا إلى طبيعة الأسلوب المستخدم، موضحا أن نوعية العبوة الناسفة التي زُرعت وفُجّرت عبر مؤقت لا تتطابق مع أسلوب داعش المعروف بالاعتماد على العمليات الانتحارية أكثر من زرع العبوات وتفجيرها عن بُعد.
وفي المقابل، رجّح طالب أن يكون التفجير رسالة إيرانية موجهة إلى الدولة السورية وإلى "لبنان الرسمي" في آن واحد، تؤكد أن طهران "لا تزال لاعبا أساسيا في هذه المنطقة" وقادرة على تحريك خلايا إرهابية.
وحذّر طالب من أن تنفيذ هذه الرسالة عبر حزب الله سيكون أمرا "خطيرا جدا" في ظل الرسائل الإيجابية التي وجهتها الحكومة السورية مؤخرا تجاه لبنان الرسمي وحتى تجاه الحزب نفسه.
زيارة الشيباني إلى بيروت: علاقة مع الدولة لا مع الأحزاب
تناول طالب زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، مؤكدا أنها تندرج ضمن إطار بناء علاقة مع الدولة اللبنانية ككل، تماشيا مع تصريحات سابقة للرئيس أحمد الشرع وتأكيدات الشيباني نفسه من بيروت.
وأوضح أن أي لقاءات جانبية يعقدها الوزير مع قيادات أحزاب لبنانية، كلقائه برئيس حزب الكتائب سامي الجميّل، لا تخرج عن هذا الإطار العام، ولا تُعد علاقات ثنائية منفصلة عن الدولة اللبنانية.
واعتبر أن الكرة باتت اليوم في ملعب حزب الله، الذي يُفترض به، إن أراد أن يكون لبنان "ككل" خاليا من أي شوائب في علاقته بسوريا، أن يتلقّف هذه المبادرة السورية.
قواعد الحوار المرتقب مع حزب الله
حدد طالب الأساس الذي يمكن أن يُبنى عليه أي حوار بين الحكومة السورية وحزب الله، مشيرا إلى أن الضاحية الجنوبية تشكّل اليوم "العمق اللوجيستي" لأي عمل يستهدف الحكومة السورية، سواء عبر دعم خلايا فلول النظام السابق، أو من خلال العمل الإعلامي الموجّه ضد دمشق، بل وحتى استهداف أشخاص بعينهم، الأمر الذي يجعل جوهر الحوار المرتقب يقوم على منع أو وقف أي تدخل من هذا النوع في الشأن السوري، مقابل بناء علاقة سورية شاملة مع لبنان بمختلف مكوّناته.
وانتقد طالب الخطاب الذي حمله الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم حول "كسر المشروع الصهيوني"، معتبرا أنه خطاب لم يعد يعكس واقع الأرض، ومحذرا من أن تورط حزب الله في العملية الإرهابية الأخيرة بأوامر إيرانية سيكون "كارثيا" على مستقبل العلاقة بين البلدين، بل قد يدفع سوريا إلى النظر إلى لبنان باعتباره "حلقة رخوة" تهدد أمنها القومي.
وفي السياق الإقليمي الأوسع، أوضح طالب أن هناك مشاورات مستمرة بين الجانبين السوري واللبناني حول ملفي التفاوض مع إسرائيل، وإن لم تصل بعد إلى حد التنسيق الكامل بورقة تفاوضية موحدة.
ووصف العلاقة القائمة بـ"المثلث الأمني" الذي يربط دمشق وبيروت وتل أبيب، مؤكدا أن أي تفاهمات أمنية سورية إسرائيلية لن تكتمل دون لبنان، والعكس صحيح.
واختتم طالب بالتأكيد أن القرار السوري في هذا الملف ينطلق حصرا من اعتبارات الأمن القومي السوري، لا من أي ضغوط أو رغبات خارجية، مشددا على أن أي تدخل أمني يمس سوريا سيبقى الفيصل الحقيقي في تحديد مسار العلاقة مع الأطراف كافة.
سكاي نيوز عربية