عاجل:

تصعيد دموي متواصل بين باكستان وطالبان على الحدود

  • ١٨
يتواصل التصعيد العسكري بين حركة طالبان وباكستان رغم الجهود الدبلوماسية التي تقودها الصين وعدد من الدول الإقليمية لاحتواء الأزمة، في ظل تبادل الهجمات عبر الحدود وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، بينما لا تزال الخلافات بشأن وجود حركة طالبان باكستان داخل الأراضي الأفغانية تمثل العقبة الرئيسية أمام أي تسوية.

ومنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، نفذت باكستان عدة غارات داخل الأراضي الأفغانية، مؤكدة أنها تستهدف قواعد تابعة لحركة طالبان باكستان، التي تصنفها إسلام آباد منظمة إرهابية. 

ومع تصاعد التوتر وفقدان الثقة بين الجانبين، تحول النزاع إلى مواجهة مفتوحة منذ أكتوبر 2025، وصفها مسؤولون باكستانيون في وقت سابق من العام بأنها "حرب مفتوحة"، بحسب "thediplomat".

ورغم محاولات الوساطة التي قادتها كل من الصين وقطر والسعودية وتركيا، لا تزال المواجهات مستمرة دون مؤشرات على انفراج قريب.

غارات باكستانية وهجمات انتقامية

وشنت باكستان، الأحد الماضي، أحدث غاراتها الجوية داخل أفغانستان، حيث أفادت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة في أفغانستان (يوناما) بمقتل ما لا يقل عن 28 مدنياً وإصابة 49 آخرين، بينهم نساء وأطفال.

في المقابل، أعلنت حركة طالبان أن الغارات استهدفت منازل مدنية، مؤكدة مقتل 36 مدنياً على الأقل وإصابة أكثر من 160 آخرين، ووصفت الهجوم بأنه "جبان" و"فظيع".

من جانبها، قالت إسلام آباد إنها نفذت عملية برية على طول الحدود إلى جانب غارات جوية استهدفت مخابئ لمسلحين في ولايات بكتيا وباكتيكا وكونار، مؤكدة مقتل 29 مسلحاً.

وأوضح وزير الإعلام الباكستاني عطا الله ترار أن العملية جاءت رداً على "الهجمات الإرهابية الأخيرة ضد المدنيين الأبرياء".

وردت حركة طالبان بشن هجمات داخل الأراضي الباكستانية، معلنة تنفيذ عمليات على طول الحدود أسفرت عن إصابة عدد من الأشخاص داخل إقليم بلوشستان، فيما أعلن الجيش الباكستاني إسقاط أربع طائرات مسيّرة بدائية، محذراً من أن أي استفزاز جديد "سيُقابل برد مناسب".

هجوم كراتشي يمهد للتصعيد

وجاءت الضربات الباكستانية الأخيرة بعد يوم واحد من هجوم استهدف منشأة تابعة لقوات حرس الحدود في مدينة كراتشي.

وأوضح الجيش الباكستاني أن مسلحين من جماعة الأحرار، المنشقة عن حركة طالبان باكستان، فجروا عبوة ناسفة عند مدخل معسكر لحرس الحدود في منطقة جولستان جوهر، قبل أن يفتحوا النار على القوات.

وأسفر الهجوم، بحسب الجيش، عن مقتل ثلاثة من أفراد القوات شبه العسكرية وإصابة أربعة آخرين، بينما قتل ثلاثة من المهاجمين وأُلقي القبض على رابع يحمل الجنسية الأفغانية.

وأكد الجيش أن باكستان ستنفذ "عمليات انتقامية" ضد المسؤولين عن الهجوم، الذي يعد من أخطر الهجمات التي شهدتها كراتشي منذ تفجير عام 2024 الذي استهدف موكباً صينياً وأسفر عن مقتل مواطنين صينيين.

هدنة قصيرة بعد وساطة صينية

كانت محادثات أورومتشي، التي استضافتها الصين خلال الأسبوع الأول من أبريل، قد أسفرت عن اتفاق الطرفين على عدم تصعيد المواجهة، دون التوصل إلى اتفاق سلام شامل، ما أثار آمالاً بانخفاض حدة التوتر.

إلا أن الهدوء لم يستمر سوى أيام قليلة، إذ أعلنت إذاعة وتلفزيون أفغانستان التابعة لحركة طالبان في 17 أبريل أن قصفاً مدفعياً باكستانياً طال قرية باريكوت في ولاية كونار، ودمر مركزاً صحياً دون تسجيل إصابات.

وبعد عشرة أيام، أعلنت طالبان مقتل سبعة أشخاص وإصابة 85 آخرين في غارات قالت إنها استهدفت جامعة بولاية كونار في 27 أبريل، بينما نفت باكستان هذه الاتهامات ووصفتها بأنها "كذبة صريحة".

وفي 30 أبريل، أفادت مصادر عسكرية باكستانية بإصابة خمسة أشخاص بعد قصف نسبته إلى حركة طالبان استهدف مناطق مدنية في وزيرستان الجنوبية بإقليم خيبر بختونخوا.

وفي الرابع من مايو، اتهمت حكومة طالبان باكستان بشن غارات جديدة أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 14 آخرين، وقال المتحدث باسم الحكومة حمد الله فطرت إن الهجمات دمرت مدرستين ومسجدين ومركزاً صحياً في ولاية كونار، بينما نفت وزارة الإعلام الباكستانية تلك الاتهامات.

كما أعلن المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد أن غارات جوية باكستانية استهدفت في العاشر من يونيو ولايات كونار وخوست وباكتيكا، وأسفرت عن مقتل 13 شخصاً، بينهم 11 طفلاً، وإصابة 14 آخرين من النساء والأطفال.

في المقابل، أقرت وزارة الإعلام الباكستانية بتنفيذ الغارات، لكنها قالت إنها استهدفت 26 مسلحاً، مؤكدة أن العمليات جاءت عقب الهجمات الإرهابية الأخيرة داخل باكستان، ولم تتطرق إلى سقوط ضحايا مدنيين.

خسائر إنسانية ونزوح واسع

ورغم تأكيدات باكستان بأن عملياتها تستهدف جماعات مسلحة، فإن النزاع أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين ونزوح آلاف الأسر.

ووفقاً لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما)، جرى توثيق أكثر من 750 حالة وفاة وإصابة بين المدنيين في أفغانستان خلال الفترة من الأول من يناير وحتى 31 مارس 2026 نتيجة أعمال العنف عبر الحدود بين القوات الباكستانية وحركة طالبان، فيما تشير تقديرات سلطات طالبان إلى أرقام أعلى.

كما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن التقارير الأولية حتى منتصف مارس 2026 تشير إلى نزوح نحو 115 ألف شخص، أي ما يعادل قرابة 16 ألفاً و400 عائلة، بسبب استمرار المواجهات.

الصين تواصل جهود الوساطة

وفي موازاة التصعيد العسكري، تواصل الصين تحركاتها لإحياء مسار التهدئة، حيث تعمل على الإعداد لجولة ثانية من المفاوضات بين الطرفين.

وفي مايو الماضي، عقد المبعوث الصيني الخاص إلى أفغانستان، السفير يو شياويونغ، لقاءات منفصلة مع مسؤولين باكستانيين وآخرين من حكومة طالبان لمراجعة نتائج محادثات أورومتشي وبحث فرص استئناف الحوار.

ويرى مراقبون أن بكين تضع استقرار المنطقة وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في مقدمة أولوياتها، إلا أن نجاح أي وساطة يظل مرهوناً بمعالجة جوهر الخلاف بين الجانبين.

ويبقى ملف وجود حركة طالبان باكستان داخل أفغانستان محور الأزمة بين كابول وإسلام آباد.

فباكستان تعتبر أن وقف أي دعم أو ملاذ آمن لعناصر الحركة داخل الأراضي الأفغانية يمثل الشرط الأساسي لإنهاء الصراع، بينما تنفي حكومة طالبان وجود الحركة أو أي صلة لها بها داخل أفغانستان.

ويرى خبراء أن استمرار تمسك كل طرف بموقفه، دون التوصل إلى تفاهمات أمنية مشتركة، يجعل فرص التوصل إلى اتفاق سلام دائم محدودة، ويهدد بإطالة أمد الصراع واستمرار معاناة المدنيين على جانبي الحدود.

(ارم)
المنشورات ذات الصلة