عاجل:

العراق... اعتقالات الفساد تجمّد استكمال التشكيلة الحكومية

  • ٣٩
ألقت حملة الاعتقالات التي طالت عدداً من النواب والشخصيات السياسية البارزة بظلالها على أحد أكثر الملفات السياسية حساسية في العراق، وهو استكمال التشكيلة الحكومية لرئيس الوزراء علي الزيدي، وسط تأكيدات من مصادر سياسية وبرلمانية بأن المفاوضات الخاصة بحسم الوزارات الشاغرة دخلت مرحلة جمود، بعدما كانت القوى السياسية تستعد لإنهاء هذا الملف مع انطلاق الدورة التشريعية الجديدة لمجلس النواب مطلع تموز/يوليو.

وتشير المعطيات السياسية إلى أن الأزمة امتدت من تداعياتها القضائية إلى مسار التفاهمات بين الكتل السياسية، ما يهدد بإرجاء استكمال تشكيل الحكومة إلى أجل غير معلوم، في وقت لا تزال فيه تسع وزارات تدار بالوكالة.

جمود في المفاوضات

وكان مجلس النواب العراقي قد منح الثقة لحكومة الزيدي في منتصف أيار/مايو الماضي، بعد التصويت على 14 وزارة من أصل 23، فيما بقيت تسع وزارات شاغرة بانتظار التوافق السياسي على مرشحيها. وتشمل الحقائب غير المحسومة وزارات الدفاع، والداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي والبحث العلمي، والهجرة والمهجرين، والإعمار والإسكان، والشباب والرياضة، والعمل والشؤون الاجتماعية، والثقافة.

وبحسب مصادر تحدثت إلى "النهار"، فإن الاتصالات بين قادة الكتل السياسية بشأن توزيع الوزارات المتبقية "توقفت بصورة شبه كاملة" عقب حملة الاعتقالات التي طالت شخصيات سياسية ونواباً مؤثرين، في مقدمتهم رئيس كتلة "عزم" مثنى السامرائي، إلى جانب نواب آخرين.

وأضافت المصادر أن هذه التطورات "خلقت أزمة ثقة جديدة بين الأطراف المشاركة في العملية السياسية، وأعادت ترتيب أولوياتها من استكمال الاستحقاقات الحكومية إلى احتواء التداعيات السياسية والقانونية للأزمة".

وكشفت أن القوى السياسية "كانت قد توصلت، قبل حملة الاعتقالات، إلى تفاهمات أولية لإعادة فتح ملف استكمال التشكيلة الحكومية تمهيداً لحسمه مع استئناف جلسات مجلس النواب، إلا أن التطورات الأخيرة أوقفت تلك المساعي وأجلت الاتفاقات التي كانت تقترب من مراحلها النهائية".

"عزم" الأكثر تأثراً

وتبرز كتلة "عزم" بوصفها أحد أبرز الأطراف المتأثرة بالأزمة الحالية. وأكدت مصادر لـ"النهار" أن الاتفاقات السياسية السابقة "كانت تمنح الكتلة وزارتَي التخطيط والثقافة" ضمن آلية تقاسم المناصب بين القوى المشاركة في تشكيل الحكومة.

وأوضحت أن اعتقال رئيس الكتلة وعدد من الشخصيات المرتبطة بها أدى إلى تجميد جميع النقاشات المتعلقة بهذا الاستحقاق، في ظل امتناع معظم القوى السياسية عن الدخول في مفاوضات جديدة قبل اتضاح مسار الأزمة.

وأضافت أن "تداعيات حملة الاعتقالات تجاوزت بعدها القضائي لتتحول إلى أزمة سياسية مباشرة تهدد بإرباك التفاهمات التي قامت عليها الحكومة"، خصوصاً أن استكمال التشكيلة الحكومية يمثل أحد أبرز الالتزامات المؤجلة بين القوى المشاركة فيها. كما "أُجلت أو أُلغيت اجتماعات عدة كان من المقرر عقدها خلال الأيام الماضية بين قادة الكتل السياسية، بانتظار معالجة الأزمة الحالية وإعادة تهيئة الأجواء لاستئناف الحوار".

أزمة ثقة وفراغ مستمر

يرى مراقبون أن الأزمة الأخيرة قد تؤدي إلى إطالة أمد الفراغ الوزاري، ولا سيما إذا تحولت إلى نقطة خلاف جديدة بين القوى السياسية، أو إذا ربطت بعض الكتل مشاركتها في المفاوضات بإيجاد حلول لملف الاعتقالات. ويحذر هؤلاء من أن استمرار الجمود سيؤثر في قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها، ويؤخر الاستحقاقات السياسية التي تعهدت بها أمام البرلمان والقوى الداعمة لها.

ويقول الباحث في الشأن السياسي أحمد المياحي، لـ"النهار"، إن استمرار الأزمة التي أنتجتها حملة الاعتقالات "قد يؤدي إلى تعطيل التفاهمات السياسية التي قامت عليها الحكومة، وتأخير حسم الوزارات التسع الشاغرة".

ويوضح المياحي أن "هذا الملف يعتمد أساساً على التوافقات السياسية بين الكتل، وعندما تتعرض إحدى القوى الرئيسية إلى أزمة سياسية أو قانونية بهذا الحجم، تتوقف المفاوضات تلقائياً بسبب تراجع الثقة وصعوبة اتخاذ قرارات نهائية، خصوصاً أن الكتل كانت تتجه إلى حسم الوزارات المؤجلة مع بداية الدورة التشريعية الجديدة، قبل أن تعيد حملة الاعتقالات الملف إلى مرحلة الجمود".

ويضيف أن "أبرز تداعيات الأزمة تتمثل في استمرار إدارة الوزارات بالوكالة، وتعميق أزمة الثقة بين القوى المشاركة في الحكم، وإضعاف قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها السياسي والخدمي، فضلاً عن فتح الباب أمام إعادة التفاوض بشأن بعض الاستحقاقات الوزارية التي سبق الاتفاق عليها، واحتمال انتقال الخلاف إلى داخل مجلس النواب بما ينعكس على جلساته المقبلة".

ويرى المياحي أن معالجة الأزمة تتطلب "الفصل بين المسار القضائي والمسار السياسي"، بحيث تأخذ الإجراءات القانونية مجراها وفق القانون، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل مؤسسات الدولة أو تجميد الاستحقاقات الدستورية. ويدعو إلى "إطلاق حوار عاجل" بين قادة الكتل السياسية برعاية الرئاسات الثلاث لإعادة بناء الثقة، ووضع سقف زمني واضح لحسم الوزارات التسع، بما يمنع تحول الأزمة الحالية إلى أزمة حكم.

وفي ظل استمرار صمت غالبية القوى السياسية حيال مستقبل المفاوضات، أكدت مصادر برلمانية لـ"النهار" أن استئناف الحوار بشأن الوزارات الشاغرة "سيبقى مرهوناً بنتائج المشاورات السياسية خلال الأيام المقبلة، وما إذا كانت القوى المتضررة ستعود إلى طاولة التفاوض، أو أن الأزمة ستفتح الباب أمام إعادة النظر في مجمل التفاهمات التي قام عليها توزيع الحقائب الوزارية".

وشهد العراق خلال الأيام الماضية حملة اعتقالات واسعة طالت عشرات الشخصيات السياسية والمسؤولين الحاليين والسابقين، بينهم أعضاء في مجلس النواب، ومستشارون سابقون، ومسؤولون في عدد من الوزارات، ومحافظون سابقون. وشملت الحملة شخصيات من الصف الأول في المشهد السياسي، أبرزهم زعيم تحالف "عزم" مثنى السامرائي، إلى جانب النواب محمد جميل المياحي، وعالية نصيف، وزياد الجنابي، ومحمد الكربولي، وحسن الخفاجي، ومضر الكروي، وعبد الرحمن اللويزي، وبهاء النوري، وهند العباسي، ومحمد فرمان الجبوري، وبشرى القيسي، على خلفية اتهامات تتعلق بقضايا فساد، في خطوة أثارت تفاعلات سياسية واسعة وأعادت الجدل حول انعكاسات هذه الإجراءات على مسار التفاهمات السياسية والاستحقاقات الحكومية.
المنشورات ذات الصلة