عاجل:

الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع المسؤولية الدستورية لرئيس الجمهورية وحدود الحصانة

  • ٢٥

خاص – ايست نيوز

يشغل رئيس الجمهورية في النظام الدستوري اللبناني موقعاً فريداً يختلف عن سائر المواقع الدستورية الأخرى، ليس فقط لأنه رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن وفقاً لأحكام الدستور، وإنما أيضاً لأن المشرّع الدستوري أحاط هذا الموقع بمنظومة قانونية خاصة تتعلق بمسؤوليته وبكيفية مساءلته، انطلاقاً من اعتبارات تتجاوز شخص الرئيس إلى حماية المؤسسة الدستورية نفسها وضمان استمرارية الدولة وانتظام عمل السلطات العامة. ومن هنا، فإن البحث في حصانة رئيس الجمهورية لا يجوز أن ينطلق من التصورات السياسية أو الانطباعات الشعبية التي ترسخت في الحياة العامة، بل يجب أن يبدأ من النصوص الدستورية ذاتها، ومن فلسفة المسؤولية في القانون الدستوري، ومن المبادئ العامة التي تحكم الدولة القانونية الحديثة.

ويأتي هذا البحث استكمالاً للدراسة التمهيدية التي افتتحت هذه السلسلة تحت عنوان "الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع"، والتي بيّنت أن مفهوم الحصانة في الفقه الدستوري لا يرادف الامتياز الشخصي، ولا يعني منح المسؤول مركزاً قانونياً يخرجه من نطاق المساءلة، وإنما يقصد به تنظيم آليات المحاسبة بما يحفظ استقلال المؤسسات الدستورية من الضغوط أو الدعاوى الكيدية، مع إبقاء المسؤولية قائمة متى توافرت شروطها. غير أن التجربة اللبنانية أفرزت مع مرور الزمن صورة مختلفة، إذ أصبح الاعتقاد سائداً بأن رئيس الجمهورية يتمتع بحصانة مطلقة تمنع أي مساءلة أو ملاحقة، حتى بعد انتهاء ولايته، الأمر الذي يفرض إعادة قراءة النصوص الدستورية بعيداً من الأعراف السياسية التي تراكمت منذ الاستقلال.

وتزداد أهمية هذا الموضوع لأن موقع رئيس الجمهورية في لبنان مرّ بتحولات دستورية عميقة منذ صدور دستور سنة 1926، ولا سيما بعد التعديلات التي أدخلها اتفاق الطائف سنة 1990. فقد انتقل النظام اللبناني من نموذج يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات تنفيذية واسعة إلى نظام أكثر توازناً يقوم على توزيع السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعاً، إلا أن هذه التحولات لم تمس النظام الخاص بمساءلة رئيس الجمهورية إلا في حدود ضيقة، الأمر الذي يجعل دراسة المسؤولية الدستورية للرئيس منفصلة إلى حد كبير عن دراسة صلاحياته، لأن معيار المسؤولية لا يرتبط بحجم السلطة التي يمارسها، بل بطبيعة الوظيفة الدستورية التي يشغلها.

ولذلك، فإن أول ما ينبغي توضيحه هو أن الدستور اللبناني لا يستخدم عبارة "حصانة رئيس الجمهورية" بالمعنى المتداول في الخطاب السياسي والإعلامي، بل يتحدث عن مسؤولية خاصة وإجراءات خاصة للملاحقة والمحاكمة. وهذه الملاحظة ليست مجرد مسألة لغوية، وإنما هي نقطة قانونية جوهرية، لأن المشرّع الدستوري لو أراد منح رئيس الجمهورية حصانة مطلقة لنصًّ عليها صراحة كما فعلت بعض الدساتير في مراحل تاريخية معينة، لكنه اختار بدلاً من ذلك وضع نظام خاص للمسؤولية يختلف عن القواعد العامة، وهو ما يعني أن الأصل ليس انتفاء المسؤولية، وإنما تنظيمها وفق آليات استثنائية.

وهنا يبرز التمييز الذي يشكل حجر الأساس في هذه الدراسة، وهو التمييز بين عدم المسؤولية والحصانة. فعدم المسؤولية يعني انتفاء إمكانية المساءلة أصلاً عن فعل معين، بينما تعني الحصانة وجود مسؤولية محتملة، ولكن لا يجوز ممارستها إلا وفق شروط وإجراءات محددة. أما الامتياز الشخصي فهو شيء مختلف تماماً، إذ يمنح صاحبه مركزاً قانونياً أفضل من غيره دون ارتباط مباشر بالمصلحة العامة. ومن خلال هذا التمييز يتبين أن رئيس الجمهورية، في النظام اللبناني، لا يتمتع بعدم مسؤولية مطلقة، ولا بامتياز شخصي، وإنما يخضع لنظام دستوري خاص للمساءلة يهدف إلى تحقيق التوازن بين استقرار مؤسسة الرئاسة وبين مبدأ خضوع جميع السلطات لأحكام الدستور.

ويستند هذا النظام إلى فلسفة دستورية معروفة في الأنظمة البرلمانية، تقوم على أن رئيس الدولة ينبغي أن يبقى بمنأى عن التجاذبات اليومية وعن الخصومات السياسية والقضائية التي قد تعيق قيامه بوظيفته التحكيمية أو الرمزية، ولذلك تقترن صلاحياته بضمانات دستورية خاصة، يقابلها في الوقت نفسه نقل القسم الأكبر من المسؤولية السياسية إلى الحكومة التي تتحمل تبعة القرارات التنفيذية أمام البرلمان.

ومن هنا نشأت القاعدة الشهيرة في الفقه الدستوري الأوروبي القائلة إن "رئيس الدولة لا يخطئ سياسياً"، ليس بمعنى العصمة أو انتفاء الخطأ، وإنما بمعنى أن المسؤولية السياسية عن أعمال السلطة التنفيذية تقع على الحكومة التي تشارك في إصدار القرارات وتتحمل نتائجها أمام السلطة التشريعية.

غير أن نقل المسؤولية السياسية إلى الحكومة لا يعني إطلاقاً سقوط المسؤولية الدستورية أو الجزائية لرئيس الدولة. فمعظم الدساتير الديمقراطية المعاصرة، ومنها الدستور اللبناني، تميز بين المسؤولية السياسية التي تمارسها البرلمانات، والمسؤولية الدستورية التي تمارسها هيئات خاصة، والمسؤولية الجزائية التي قد تخضع لقواعد مختلفة بحسب طبيعة الجريمة المرتكبة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان رئيس الجمهورية مسؤولاً، بل أمام من يكون مسؤولاً، وعن أي أفعال، ووفق أي إجراءات.

ومن هنا، تكتسب المادة الستون من الدستور اللبناني أهمية استثنائية، لأنها تمثل الأساس الدستوري الوحيد الذي ينظم مسؤولية رئيس الجمهورية أثناء ممارسته مهامه. فقد نصت هذه المادة على أن رئيس الجمهورية لا تبعة عليه حال قيامه بوظيفته إلا عند خرق الدستور أو في حال الخيانة العظمى، أما التبعات فيما يختص بالجرائم العادية فهي خاضعة للقوانين العامة، ولا يجوز اتهامه بسبب هذه الجرائم أو بسبب خرق الدستور أو الخيانة العظمى إلا من قبل مجلس النواب، ولا يحاكم إلا أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة الثمانين من الدستور.

وتكشف القراءة الدقيقة لهذه المادة عن مجموعة من النتائج القانونية التي كثيراً ما يغفلها النقاش العام. فهي أولاً لم تقل إن رئيس الجمهورية يتمتع بحصانة مطلقة، وإنما حصرت الحالات التي يمكن أن تثار فيها مسؤوليته أثناء الولاية، وربطت تحريكها بإجراءات خاصة. وهي ثانياً لم تنشئ استثناءً دائماً من القانون الجزائي، بل أحالت الجرائم العادية إلى القوانين العامة، مع تنظيم آلية الاتهام أثناء ممارسة الوظيفة. وهي ثالثاً ميزت بصورة واضحة بين الجرائم ذات الطبيعة الدستورية، كخرق الدستور والخيانة العظمى، وبين الجرائم العادية التي تخضع في الأصل للقانون الجزائي العام.

ويثير هذا النص منذ عقود نقاشاً فقهياً واسعاً في لبنان حول المقصود بعبارة "حال قيامه بوظيفته". فهل يقصد بها فترة الولاية الرئاسية حصراً، أم أنها تمتد إلى الأفعال المرتبطة بممارسة الوظيفة حتى بعد انتهاء الولاية؟ وهل تنتهي القيود الإجرائية بانتهاء ولاية الرئيس، أم تبقى قائمة بالنسبة إلى الأفعال التي ارتكبت أثناء توليه الرئاسة؟

وقد انقسم الفقه اللبناني حول هذه المسألة، بين اتجاه يرى أن الحماية الإجرائية مرتبطة حصراً بوجود الرئيس في منصبه، بحيث يعود بعد انتهاء ولايته إلى القواعد العامة، واتجاه آخر يعتبر أن طبيعة الأفعال المرتبطة بالوظيفة تستوجب بقاء الاختصاص الدستوري حتى بعد انتهاء الولاية، حفاظاً على فلسفة المادة الستين ومنع الالتفاف عليها بمجرد انتهاء مدة الرئاسة.

ولا يقتصر الجدل على هذه النقطة، بل يمتد إلى تفسير مفهوم "خرق الدستور" نفسه، إذ لم يضع الدستور اللبناني تعريفاً لهذا المصطلح، كما لم يصدر أي قانون يحدد عناصره أو صوره أو معاييره. ويختلف هذا الوضع عن كثير من الأنظمة الدستورية المقارنة التي وضعت تعريفات أو اجتهادات أكثر وضوحاً للمخالفات الدستورية الجسيمة.

أما في لبنان، فقد ترك الأمر لاجتهاد الفقه وللسلطة التقديرية لمجلس النواب والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهو ما أدى إلى بقاء المفهوم فضفاضاً وقابلاً لتفسيرات متعددة، بعضها يضيقه إلى حد كبير، وبعضها يوسعه ليشمل كل مخالفة للدستور مهما كانت طبيعتها.

ويزداد الأمر تعقيداً بالنسبة إلى مفهوم "الخيانة العظمى"، إذ إن التشريع اللبناني، على خلاف العديد من التشريعات المقارنة، لم يضع تعريفاً دستورياً أو قانونياً جامعاً لهذا المفهوم في سياق مسؤولية رئيس الجمهورية، مما يطرح إشكاليات عميقة حول مدى إمكانية تطبيقه وحدود تفسيره، وحول العلاقة بينه وبين الجرائم الواقعة على أمن الدولة المنصوص عليها في قانون العقوبات.

المنشورات ذات الصلة