خاص – ايست نيوز
إن الغموض الذي يكتنف مفهومي "خرق الدستور" و"الخيانة العظمى" لا يعد مجرد إشكالية نظرية في الفقه الدستوري اللبناني، بل يمثل إحدى أبرز الثغرات التي رافقت النظام الدستوري منذ نشأة دولة لبنان الكبير، واستمرت حتى بعد التعديلات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف. فالمشرّع الدستوري وضع هذين المفهومين في صلب المادة الستين من الدستور، وربط بهما مسؤولية رئيس الجمهورية، لكنه امتنع عن تحديد عناصرهما القانونية أو بيان الحدود الفاصلة بينهما، تاركاً مهمة التفسير للاجتهاد الدستوري الذي لم تتح له، عملياً، فرصة تطوير نظرية متكاملة بسبب ندرة الحالات التي طُرحت فيها مسؤولية رئيس الجمهورية أمام الجهات المختصة.
وهنا تبرز أولى الإشكاليات المنهجية. ففي القانون الجزائي، تخضع الجرائم لمبدأ الشرعية الذي يفرض تحديد أركان الجريمة بصورة دقيقة، بحيث لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. أما في المجال الدستوري، فإن المسؤولية السياسية والدستورية قد تعتمد مفاهيم أكثر مرونة، تسمح للسلطة المختصة بتقدير جسامة المخالفة ومدى تأثيرها على النظام الدستوري. إلا أن هذه المرونة لا يجوز أن تصل إلى حد الغموض الذي يفتح الباب أمام التفسيرات السياسية المتناقضة، وهو ما حصل فعلاً في لبنان، حيث أصبح توصيف "خرق الدستور" يخضع في كثير من الأحيان لموازين القوى السياسية أكثر مما يخضع لمعايير قانونية ثابتة.
ومن خلال مراجعة الفقه الدستوري المقارن، يتبين أن خرق الدستور لا يعني مجرد مخالفة نص دستوري بصورة شكلية، وإنما يفترض أن يكون الفعل المرتكب قد انطوى على انتهاك جوهري لأحكام الدستور أو للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدستوري، بما يؤدي إلى الإخلال بالتوازن بين السلطات أو المساس بحقوق المواطنين أو تهديد انتظام المؤسسات العامة. فليس كل خطأ في تفسير نص دستوري يشكل خرقاً للدستور، وإلا لتحولت المسؤولية الدستورية إلى وسيلة لمحاسبة الاجتهادات السياسية المختلفة، وهو ما يتعارض مع طبيعة النظام البرلماني.
أما الخيانة العظمى، فهي أكثر تعقيداً، لأن هذا المصطلح نشأ تاريخياً في الأنظمة الملكية قبل أن ينتقل إلى الدساتير الجمهورية، وكان يقصد به في الأصل كل فعل يصدر عن رأس الدولة ويهدد وجود الدولة أو استقلالها أو سيادتها أو أمنها الخارجي أو الداخلي بصورة جسيمة. إلا أن تطور الدولة الدستورية أدى إلى تضييق هذا المفهوم، فأصبحت معظم التشريعات الحديثة تربطه بأفعال استثنائية تنطوي على اعتداء مباشر على المصالح العليا للدولة، كالتعاون مع دولة معادية، أو تسليم جزء من الأراضي الوطنية، أو تقويض النظام الدستوري بالقوة، أو إفشاء أسرار تمس الأمن القومي.
وفي لبنان، لا نجد تعريفاً تشريعياً صريحاً للخيانة العظمى في إطار مسؤولية رئيس الجمهورية، الأمر الذي يثير سؤالاً أساسياً حول المرجع القانوني الواجب اعتماده. فهل يفسر هذا المفهوم استناداً إلى قانون العقوبات اللبناني، أم إلى المبادئ العامة في القانون الدستوري، أم إلى الاجتهاد المقارن؟ ويبدو أن الاتجاه الراجح فقهاً يعتبر أن الخيانة العظمى الواردة في المادة الستين ليست مرادفة لجرائم الخيانة المنصوص عليها في قانون العقوبات، وإنما هي مفهوم دستوري مستقل، وإن كان يمكن الاستئناس بأحكام القانون الجزائي عند تفسير بعض عناصره. ويترتب على ذلك أن المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يتمتع بهامش واسع في تقدير ما إذا كان الفعل يشكل خيانة عظمى بالمعنى الدستوري.
ويؤدي هذا الغموض إلى نتيجة عملية في غاية الخطورة، وهي أن حدود مسؤولية رئيس الجمهورية لا تحددها النصوص وحدها، بل تحددها أيضاً الإرادة السياسية للسلطة التي تملك حق الاتهام، أي مجلس النواب. وهنا ينتقل البحث من المسؤولية الموضوعية إلى المسؤولية الإجرائية، لأن أي مسؤولية دستورية لا يمكن أن تنشأ ما لم تتحرك الآلية التي رسمها الدستور.
وقد اختار المشترع الدستوري اللبناني أن يمنح مجلس النواب وحده سلطة اتهام رئيس الجمهورية، وهو ما يعكس الطبيعة البرلمانية للنظام اللبناني، إذ إن البرلمان، بوصفه ممثلاً للأمة، هو الذي يقرر ما إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى رئيس الدولة تستوجب محاكمته. غير أن هذا الاختصاص لم يترك لإرادة الأغلبية العادية، بل أحاطه الدستور بضمانة إضافية تتمثل في اشتراط أكثرية الثلثين من مجموع أعضاء مجلس النواب لتوجيه الاتهام، وهي أغلبية معززة تعكس رغبة واضعي الدستور في منع استخدام الاتهام كسلاح سياسي ضد رئيس الجمهورية كلما تبدلت موازين القوى داخل البرلمان.
ومن الناحية الدستورية، فإن اشتراط أكثرية الثلثين يحقق توازناً بين مبدأين متعارضين ظاهرياً؛ الأول هو حماية مؤسسة رئاسة الجمهورية من الدعاوى ذات الخلفيات السياسية أو الانتقامية، والثاني هو عدم إغلاق باب المساءلة عندما تبلغ المخالفات درجة تمس النظام الدستوري أو المصالح العليا للدولة. إلا أن التطبيق العملي لهذا الشرط في لبنان أظهر وجهاً آخر للمسألة، إذ إن الانقسامات السياسية والطائفية جعلت تأمين هذه الأكثرية أمراً بالغ الصعوبة، حتى في الحالات التي أثيرت فيها شبهات جدية حول ممارسة السلطة.
وبمجرد صدور قرار الاتهام من مجلس النواب، ينتقل الاختصاص إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهو هيئة ذات طبيعة دستورية استثنائية نصت عليها المادة الثمانون من الدستور. ويتألف هذا المجلس من سبعة نواب ينتخبهم مجلس النواب وثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبة، أو من يقوم مقامهم بحسب ترتيب درجاتهم القضائية، ويرأسه أعلى هؤلاء القضاة مقاماً.
ويكشف هذا التشكيل عن فلسفة دستورية دقيقة، إذ لم يشأ واضعو الدستور أن تكون محاكمة رئيس الجمهورية قضائية بحتة، ولا سياسية بحتة، وإنما أن تجمع بين العنصرين. فوجود القضاة يضمن احترام الأصول القانونية وقواعد المحاكمة العادلة، بينما يكرس وجود النواب الطابع الدستوري والسياسي للمساءلة، باعتبار أن الأفعال المنسوبة إلى رئيس الجمهورية قد تتجاوز نطاق المخالفات الجزائية التقليدية إلى مسائل تمس ممارسة السلطة الدستورية ذاتها.
إلا أن هذا التشكيل كان ولا يزال محل انتقادات واسعة في الفقه اللبناني، لأن اشتراك السلطة التشريعية في هيئة المحاكمة يثير تساؤلات حول مدى انسجام ذلك مع مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء. كما أن غلبة الاعتبارات السياسية في اختيار الأعضاء النواب قد تؤثر على حياد المجلس، خصوصاً في ظل الطبيعة التوافقية للنظام اللبناني.
ولا تقف الإشكالية عند حدود تشكيل المجلس، بل تمتد إلى واقع عمله. فمنذ إنشاء الجمهورية اللبنانية، لم يتحول المجلس الأعلى إلى مؤسسة قضائية دستورية فاعلة تمارس اختصاصها بصورة منتظمة، بل بقي هيئة شبه معطلة، الأمر الذي حرم الفقه اللبناني من بناء اجتهادات دستورية راسخة تحدد معايير مسؤولية رئيس الجمهورية وحدودها. ولذلك فإن معظم الآراء الفقهية اللبنانية تستند إلى التحليل النظري أكثر مما تستند إلى سوابق قضائية فعلية.
ويترتب على ذلك أن النظام الدستوري اللبناني يفتقر إلى أحد أهم عناصر الأمن القانوني، وهو وجود اجتهاد مستقر يفسر المادة الستين ويحدد نطاقها. ففي الدول التي مارست فيها الهيئات الدستورية اختصاصها بصورة متكررة، نشأت معايير واضحة تميز بين الخطأ السياسي والمخالفة الدستورية والجريمة الجزائية، أما في لبنان فقد بقيت هذه الحدود عرضة للاجتهادات المتعارضة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الجدل المتكرر حول صلاحية القضاء العدلي في ملاحقة رئيس الجمهورية، وحدود اختصاص المجلس الأعلى، والعلاقة بينهما.
ومن هنا تنشأ إحدى أكثر المسائل تعقيداً في القانون الدستوري اللبناني، وهي تحديد ما إذا كان اختصاص المجلس الأعلى اختصاصاً حصرياً يمنع أي جهة قضائية أخرى من النظر في الأفعال المنسوبة إلى رئيس الجمهورية أثناء ولايته، أم أنه اختصاص استثنائي يقتصر على الحالات المحددة في المادة الستين، مع بقاء الجرائم الأخرى خاضعة لاختصاص القضاء العدلي وفق القواعد العامة.
وهذه الإشكالية ستكون محور القسم التالي من هذه الدراسة، لأنها تمثل النقطة التي يختلط فيها، أكثر من أي موضع آخر، القانون بالشائع؛ إذ إن كثيراً من المواقف السياسية تبني فكرة "الحصانة المطلقة" على تفسير موسع للمادة الستين، بينما يقود التحليل الدستوري الدقيق إلى نتائج أكثر توازناً وتعقيداً، وهو ما سنعالجه في الجزء الثالث والأخير من هذه الدراسة من خلال تحليل العلاقة بين اختصاص المجلس الأعلى واختصاص القضاء العدلي، ومصير المسؤولية بعد انتهاء الولاية الرئاسية، والمواقف الفقهية اللبنانية والمقارنة، وصولاً إلى استخلاص الإجابة القانونية عن السؤال المركزي الذي انطلقت منه هذه السلسلة: هل حصانة رئيس الجمهورية في لبنان هي حصانة شخصية تعلو على مبدأ سيادة القانون، أم أنها مجرد تنظيم دستوري استثنائي للمساءلة هدفه حماية مؤسسة الرئاسة دون أن يؤدي إلى إلغاء المسؤولية؟