خاص – ايست نيوز
لم يعد تقييم سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران يقتصر على العقوبات الاقتصادية أو الضربات العسكرية أو الضغوط الدبلوماسية، بل بات يرتبط بقدرته على إعادة رسم الخريطة الإقليمية المحيطة بإيران وتجريدها تدريجياً من هوامش الحركة التي اعتمدت عليها طوال العقود الماضية. وفي هذا السياق، تبدو الخطوة الأكثر أهمية في المرحلة الحالية نجاح واشنطن في استيعاب تركيا وإبعادها، ولو مرحلياً، عن أي اصطفاف يمكن أن يخدم المصالح الإيرانية في المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ويكتسب هذا التحول أهميته من كون تركيا تمثل الدولة الوحيدة داخل حلف شمال الأطلسي التي نجحت خلال السنوات الماضية في الجمع بين علاقات استراتيجية مع الغرب وشراكات اقتصادية وأمنية مع إيران، ما جعلها تؤدي دور صمام الأمان الذي حال دون وصول الضغوط المفروضة على طهران إلى مرحلة الاختناق الكامل.
ويبدو أن إدارة ترامب اعتمدت مقاربة تقوم على تقديم حوافز استراتيجية لأنقرة بدلاً من الاكتفاء بسياسة الضغوط التقليدية. فإعادة فتح الباب أمام صفقة مقاتلات "أف-35"، رغم المعارضة الإسرائيلية واليونانية الواسعة، لا يمكن قراءتها باعتبارها صفقة تسليح فقط، بل تمثل رسالة سياسية تعني إعادة دمج تركيا تدريجياً في المنظومة الأمنية الغربية. كما أن رفع سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب لا يقتصر على بعده السوري الداخلي، بل يحمل بعداً تركياً واضحاً، إذ يفتح المجال أمام مقاربة جديدة للملف السوري تتقاطع مع المصالح الأمنية والاقتصادية لأنقرة، بما يخفف من دوافعها للاستمرار في التنسيق الواسع مع إيران داخل الساحة السورية.
هذا التطور لا يعني بالضرورة انتقال تركيا إلى موقع المواجهة مع إيران، فالعلاقات بين البلدين تحكمها اعتبارات جغرافية واقتصادية معقدة تجعل من الصعب تصور قطيعة كاملة بينهما. إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن واشنطن لا تحتاج إلى تحويل تركيا إلى خصم لإيران بقدر ما تحتاج إلى تحييدها ومنعها من لعب دور الرئة التي تتنفس منها طهران في أوقات الأزمات. فمن منظور استراتيجي، يكفي تقليص مستوى التعاون التركي الإيراني في الملفات الحساسة حتى يتراجع هامش المناورة الإيراني بصورة ملموسة.
وتبرز أهمية هذا التحول عند دراسة طبيعة الشبكات اللوجستية التي اعتمدتها إيران خلال العقود الماضية. فتركيا شكلت ممراً تجارياً ومصرفياً بالغ الأهمية، كما كانت إحدى أهم بوابات الالتفاف على العقوبات الغربية، سواء عبر حركة التجارة أو القطاع المالي أو الشركات الوسيطة أو عمليات إعادة التصدير. كذلك احتفظت الحدود الطويلة بين البلدين بأهمية استثنائية في استمرار تدفق السلع والأموال، الأمر الذي منح إيران متنفساً اقتصادياً لم يتوافر لها عبر معظم جيرانها الآخرين.
أما على المستوى الأمني، فإن أي تعديل في طبيعة العلاقة التركية الإيرانية ستكون له تداعيات تتجاوز العلاقات الثنائية لتطال مجمل بنية ما يعرف بمحور المقاومة. فخلال السنوات الماضية بقيت الأراضي السورية، مع اختلاف مستويات السيطرة عليها، تشكل الساحة الأساسية لنقل الدعم الإيراني إلى حلفائها، فيما احتفظت تركيا، بحكم موقعها الجغرافي وحجم التبادل التجاري وحركة الحدود، بدور غير مباشر في استمرار جزء من الشبكات المالية والتجارية التي استفادت منها إيران بصورة أو بأخرى. ومن هنا، فإن تضييق هذه المساحات، سواء عبر تشديد الرقابة أو عبر تقليص مستوى التنسيق أو نتيجة تبدل الأولويات التركية، يرفع بصورة طبيعية كلفة أي عمليات مالية أو لوجستية كانت تستفيد من البيئة الإقليمية المحيطة.
وفي ما يتعلق بلبنان، فإن السؤال الأكثر حساسية يتمثل في مدى انعكاس هذا التحول على القدرات المالية لـحزب الله. والإجابة العلمية تقتضي التمييز بين التمويل البنيوي والتمويل التشغيلي. فالتمويل البنيوي المرتبط بالقرار الإيراني الاستراتيجي لا يتوقف عند تبدل موقف دولة واحدة، لأن إيران تمتلك شبكات متعددة وأساليب متنوعة لنقل الموارد. غير أن التمويل التشغيلي اليومي، الذي يعتمد على سهولة الحركة المالية والتجارية واللوجستية، يصبح أكثر عرضة للتأثر كلما ضاقت مسارات الالتفاف على العقوبات.
ومن هذا المنطلق، فإن تحييد تركيا، إذا ترافق مع تشديد الرقابة على الحدود السورية، واستمرار الضغوط المالية الأميركية، وإحكام الرقابة على النظام المصرفي الإقليمي، يمكن أن يؤدي إلى زيادة كلفة إيصال الأموال والموارد إلى حزب الله، حتى وإن لم يؤد إلى وقفها بصورة كاملة. فالمنظمات العابرة للحدود لا تتأثر فقط بحجم الموارد المتاحة، وإنما أيضاً بسهولة انتقال هذه الموارد، وكلما ارتفعت الكلفة اللوجستية والأمنية انخفضت الكفاءة التشغيلية لهذه الشبكات.
في المقابل، ينبغي الحذر من المبالغة في استنتاج أن تركيا ستتحول إلى شريك كامل في سياسة احتواء إيران. فالسياسة الخارجية التركية تقوم تاريخياً على مبدأ التوازن بين القوى الكبرى، وهي تميل إلى تجنب الانخراط في محاور مغلقة. ولذلك قد تستمر أنقرة في الحفاظ على مستوى معين من العلاقات الاقتصادية مع طهران، انطلاقاً من اعتبارات أمن الطاقة، والجوار الجغرافي، والتوازنات الإقليمية. إلا أن الفرق بين استمرار العلاقة وتحولها إلى شراكة استراتيجية يبقى فرقاً جوهرياً، وهو ما يبدو أن واشنطن تسعى إلى تحقيقه.
وعليه، فإن نجاح ترامب في استقطاب تركيا، ولو بصورة جزئية، قد يمثل أحد أهم التحولات الجيوسياسية في الإقليم، لأنه لا يستهدف إيران مباشرة، بل يضيق المجال الحيوي الذي بنت عليه استراتيجيتها الإقليمية منذ سنوات. وإذا استمر هذا المسار وترافق مع إعادة صياغة المشهد السوري وتوسيع شبكة الضغوط الاقتصادية والأمنية، فإن التأثير لن يقتصر على إيران وحدها، بل سيمتد تدريجياً إلى مختلف أذرعها الإقليمية، وفي مقدمها حزب الله، الذي قد يجد نفسه أمام بيئة مالية ولوجستية أكثر تعقيداً وكلفة، حتى وإن لم تصل هذه المتغيرات إلى حد قطع قنوات الدعم بصورة نهائية.
وفي علم الاستراتيجيات، غالباً ما تتحقق التحولات الكبرى ليس عبر المواجهة المباشرة، وإنما عبر إعادة تشكيل البيئة الإقليمية التي تتحرك ضمنها القوى المنافسة، وهو ما يجعل تحييد تركيا، إذا ترسخ واستمر، أحد أهم عناصر إعادة هندسة ميزان القوى في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.