عاجل:

الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع المسؤولية الدستورية والقانونية لرئيس مجلس النواب وحدود الحصانة(1)

  • ٢٠


خاص – "ايست نيوز"

يشغل رئيس مجلس النواب في النظام الدستوري اللبناني موقعاً استثنائياً يجمع بين صفتين دستوريتين متداخلتين، فهو من جهة نائب منتخب يخضع، من حيث المبدأ، للنظام القانوني الذي يحكم جميع أعضاء السلطة التشريعية، وهو من جهة ثانية رئيس لإحدى السلطات الدستورية الثلاث التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني، الأمر الذي يمنحه صلاحيات واختصاصات لا يتمتع بها أي نائب آخر. وقد أدى هذا التداخل، عبر العقود، إلى نشوء قدر كبير من الالتباس في تحديد طبيعة الحماية القانونية التي يتمتع بها، فاختلطت الحصانة النيابية المقررة دستورياً بالاعتبارات السياسية المرتبطة برئاسته للمجلس، حتى ترسخ في الحياة العامة انطباع بأن رئيس مجلس النواب يتمتع بحصانة خاصة ومستقلة عن تلك التي يتمتع بها سائر النواب. ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تندرج ضمن سلسلة "الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع"، والهادفة إلى إعادة قراءة النصوص الدستورية والقانونية بعيداً من الممارسة السياسية والأعراف التي نشأت مع مرور الزمن، للإجابة عن سؤال جوهري: هل منح الدستور اللبناني رئيس مجلس النواب حصانة خاصة بوصفه رئيساً للسلطة التشريعية، أم أن الحماية التي يتمتع بها لا تتجاوز الإطار الدستوري العام للحصانة النيابية؟

ولا تقتصر أهمية هذا السؤال على الجانب النظري، بل تمتد إلى جوهر مبدأ سيادة القانون، لأن تحديد المرجع القضائي المختص بمساءلة رئيس مجلس النواب، وحدود الحماية التي يتمتع بها، ينعكس مباشرة على التوازن بين السلطتين التشريعية والقضائية، وعلى مفهوم المساواة أمام القانون، وعلى قدرة الدولة على الجمع بين استقلال السلطة التشريعية وحق المجتمع في مساءلة من يتولى المسؤولية العامة.

ولعل أول ما ينبغي تأكيده هو أن الدستور اللبناني لا يتضمن أي نص يمنح رئيس مجلس النواب حصانة مستقلة أو استثنائية بسبب توليه رئاسة المجلس. فبعكس ما هو مقرر بالنسبة إلى رئيس الجمهورية في المادة الستين، لم يخصص الدستور لرئيس مجلس النواب نظاماً خاصاً للمساءلة أو المحاكمة، ولم ينشئ له مرجعاً قضائياً استثنائياً، ولم يضع قيوداً إضافية على ملاحقته تختلف عن تلك المقررة لسائر النواب. وهذه الملاحظة تشكل نقطة الانطلاق الأساسية في هذه الدراسة، لأنها تكشف منذ البداية الفارق بين النص الدستوري وبين التصور الشائع في الحياة السياسية.

إن موقع رئيس مجلس النواب يستمد خصوصيته من طبيعة الوظيفة الدستورية التي يمارسها، لا من مركز قانوني شخصي يضعه فوق القواعد العامة. فهو، وفق المادة الرابعة والأربعين من الدستور، ينتخب من بين أعضاء مجلس النواب لولاية تستمر طوال مدة ولاية المجلس، ويتولى إدارة أعمال السلطة التشريعية، والدعوة إلى جلساتها، وحفظ نظامها، والإشراف على حسن تطبيق النظام الداخلي، وتمثيل المجلس في علاقاته مع السلطات الأخرى. وهذه الصلاحيات، على أهميتها، لا تنشئ حصانة جديدة، وإنما ترتب ضمانات وظيفية تقتضي احترام استقلال السلطة التشريعية وعدم التدخل في أعمالها.

ومن هنا تظهر ضرورة التمييز بين مفهومين كثيراً ما يجري الخلط بينهما، هما الحصانة الدستورية والحماية الوظيفية. فالحصانة الدستورية هي نظام استثنائي يحد من إمكانية اتخاذ إجراءات جزائية بحق شخص معين وفق شروط حددها الدستور، أما الحماية الوظيفية فهي مجموعة الضمانات التي تكفل حسن سير المؤسسة الدستورية وتحول دون تعطيلها أو التأثير في استقلالها. وإذا كان رئيس مجلس النواب يتمتع بلا شك بحماية وظيفية تفرض احترام استقلال المجلس النيابي، فإن هذه الحماية لا تتحول تلقائياً إلى حصانة شخصية تمنع مساءلته عن الأفعال التي يرتكبها خارج نطاق العمل البرلماني أو تمنحه امتيازات لم ينص عليها الدستور.

ويتأكد ذلك من خلال قراءة المواد الدستورية المتعلقة بالحصانة النيابية، إذ يتبين أن المشترع الدستوري لم يميز بين رئيس المجلس وسائر النواب. فجميع أعضاء مجلس النواب، بمن فيهم الرئيس، يخضعون للأحكام ذاتها المنصوص عليها في المادتين التاسعة والثلاثين والأربعين من الدستور، اللتين أراد واضعو الدستور من خلالهما حماية حرية العمل البرلماني لا حماية الأشخاص. فالمادة التاسعة والثلاثون تقرر ما يعرف بالحصانة الموضوعية أو حصانة الرأي، عندما تنص على أنه لا يجوز إقامة دعوى جزائية على أي عضو من أعضاء المجلس بسبب الآراء والأفكار التي يبديها مدة نيابته. أما المادة الأربعون، فتقرر الحصانة الإجرائية، إذ تمنع اتخاذ إجراءات جزائية بحق النائب خلال دورات الانعقاد إلا بإذن المجلس، ما لم يكن متلبساً بجريمة مشهودة.

ويستفاد من هذين النصين أن الحصانة مقررة للنائب بصفته عضواً في السلطة التشريعية، وليس لكونه رئيساً للمجلس. وبالتالي فإن رئيس مجلس النواب لا يكتسب، بمجرد انتخابه رئيساً، أي حصانة إضافية، ولا يصبح خارج نطاق النظام العام الذي يحكم بقية النواب. وهذا ما تؤيده القراءة الحرفية للنصوص، كما تؤيده فلسفة الحصانة البرلمانية في الأنظمة الديمقراطية، التي تقوم على حماية حرية التعبير البرلماني واستقلال السلطة التشريعية، لا على منح امتيازات شخصية لرؤساء البرلمانات.

ويترتب على ذلك أن أي تحليل قانوني يخلط بين وظيفة رئيس المجلس وبين مركزه كنائب يؤدي إلى نتائج غير منسجمة مع الدستور. فالصفة الأصلية لرئيس مجلس النواب تبقى صفة النائب المنتخب، أما رئاسة المجلس فهي وظيفة دستورية يتولاها أحد النواب خلال مدة الولاية النيابية. ولو كان المشترع الدستوري يرغب في إنشاء نظام خاص لرئيس المجلس، لفعل ذلك صراحة كما فعل بالنسبة إلى رئيس الجمهورية، أو كما فعل بالنسبة إلى الوزراء عند مساءلتهم عن الجرائم الناشئة عن ممارسة وظائفهم. إلا أن خلو الدستور من أي نص من هذا القبيل يدل بوضوح على أن رئيس مجلس النواب يخضع، من حيث المبدأ، للنظام الدستوري نفسه الذي يحكم سائر أعضاء المجلس.

ومن هنا تبدأ الإشكالية التي رافقت الحياة الدستورية اللبنانية منذ الاستقلال، إذ إن الممارسة السياسية، ولا سيما في العقود الأخيرة، أضفت على موقع رئيس مجلس النواب مكانة سياسية جعلت كثيرين يعتقدون أن هذه المكانة ترتب تلقائياً مركزاً قانونياً خاصاً. إلا أن الفقه الدستوري يميز بوضوح بين النفوذ السياسي وبين المركز القانوني؛ فالأول قد يكون واسعاً أو محدوداً تبعاً للظروف السياسية، أما الثاني فلا ينشأ إلا بنص دستوري أو تشريعي صريح. ومن ثم، فإن اتساع الدور السياسي لرئيس مجلس النواب لا يؤدي بذاته إلى توسيع نطاق حصانته القانونية.

بل إن المنهج الدستوري السليم يقتضي تفسير الحصانات تفسيراً ضيقاً، لأنها تشكل استثناءً على الأصل العام المتمثل في خضوع الجميع للقضاء. وهذه قاعدة مستقرة في الفقه الدستوري المقارن، ومؤداها أن أي شك في مدى وجود حصانة أو في نطاقها يجب أن يفسر لمصلحة تطبيق القواعد العامة، لا لمصلحة التوسع في الاستثناء. ولذلك، فإن أي امتياز غير منصوص عليه صراحة لا يجوز استخلاصه بطريق القياس أو العرف أو الممارسة السياسية، لأن الحصانات الدستورية لا تنشأ إلا بنصوص واضحة ومحددة.

ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان رئيس مجلس النواب يتمتع بحصانة، وإنما ما هي طبيعة هذه الحصانة وحدودها؟ وهل تختلف، في التطبيق، عن حصانة أي نائب آخر؟ أم أن ما يُتداول في الخطاب السياسي والإعلامي حول وجود "حصانة خاصة" لرئيس المجلس لا يجد أساساً له في الدستور اللبناني؟



المنشورات ذات الصلة