عاجل:

ما بعد اليونيفيل: مَن يرسم حدود "اليوم التالي" في الجنوب؟

  • ١٤

منذ انطلاق مسار التفاوض غير المباشر بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية، بدا واضحاً أن الطريق إلى ترتيبات "اليوم التالي" في جنوب لبنان لن يكون خطاً مستقيماً، بل مساراً متعرجاً تتقاطع فيه حسابات ثلاثة لاعبين رئيسيين: لبنان الذي يريد استرداد سيادته تدريجياً عبر خطوات ملموسة على الأرض، وإسرائيل التي تُبدي "موافقة مبدئية" مقرونة بمماطلة فعلية في التنفيذ، وواشنطن التي تريد البقاء الجهة الضامنة الوحيدة لأي تفاهم أمني، حتى لو تعالت الأصوات الأوروبية المطالبة بدور أوسع.

في قلب هذا الملف تقف "الزوطرين الشرقية والغربية"، إلى جانب يحمر وقلعة الشقيف، بوصفها المقترح اللبناني الأساسي لبدء "المناطق التجريبية" التي يُفترض أن تشهد انسحاباً إسرائيلياً مقابل انتشار كامل للجيش اللبناني. الموقع ليس اختياراً عشوائياً، بل يقع على مفترق استراتيجي يربط جنوب نهر الليطاني بشماله، ويطلّان على محاور حركة وإمداد حسّاسة قرب مدينة النبطية، ما يمنح من يسيطر عليهما قدرة مراقبة وتحكماً يتجاوز حجمهما الجغرافي المحدود.
غير أن إسرائيل، بحسب ما تكشفه معطيات المفاوضات، لم تتحمس لهذا الاختيار، إذ عمدت إلى تعديل الطرح باقتراح بلدات أخرى مثل زوطر الشرقية جزئياً وفرون، في محاولة لتحويل "المناطق التجريبية" إلى ما يشبه امتحاناً مقصوداً لقدرة الجيش اللبناني، بدل أن تكون خطوة ثقة حقيقية.

هذا التباطؤ في تسمية القرى وتحديد الجدول الزمني يعكس، بحسب مصادر عسكرية وسياسية لبنانية، رغبة إسرائيلية بعدم الالتزام الكامل باتفاق الإطار، رغم مرور أسابيع على توقيعه واستمرار الخروقات اليومية وإن بوتيرة أقل حدّة من ذي قبل.

الشق الثاني من المعادلة يتصل بمصير الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في نهاية 2026، تمهيداً لانسحابها الفعلي مطلع 2027. بيروت، التي تخشى فراغاً أمنياً خطراً، تجري اتصالات مكثفة مع العواصم الأوروبية لتثبيت صيغة بديلة.

الطرح الأوروبي، كما تناقشه بروكسل وروما، يقوم على تحويل الدور من "حفظ سلام" تقليدي إلى بعثة دعم وتدريب طويلة الأمد بصلاحيات أوسع تُمكّن الجيش اللبناني من إحكام سيطرته الميدانية، لا الاكتفاء بالمراقبة كما كانت الحال مع اليونيفيل في سنواتها الأخيرة.

في المقابل، لا تبدي الولايات المتحدة حماسة لمنح أوروبا دوراً عملياتياً موازياً لدورها. فالإدارة الأميركية، التي أطلقت هذا المسار من وزارة الخارجية وتواصله عبر جولات مباشرة في واشنطن ثم روما، تصرّ على أن يبقى الإطار الثنائي اللبناني -الإسرائيلي، بضمانة أميركية حصرية، هو المرجعية الوحيدة لأي نشاط عسكري أو أمني مشترك، تاركة للأوروبيين هامشاً في التدريب والدعم اللوجستي من دون صلاحيات قرار ميداني.

هذا التنافس الهادئ بين واشنطن وشركائها الأوروبيين لا ينفي أن الطرفين يلتقيان على هدف واحد: تعزيز مؤسسة الجيش اللبناني كبديل وحيد شرعي لأي سلاح خارج إطار الدولة. لكن الاختلاف في "من يقود العملية" قد يترك بصمته على وتيرة التنفيذ وعلى موازين النفوذ في الجنوب لسنوات مقبلة.

ؤغم كل ذلك يبقى مسار روما اختباراً حقيقياً لجدية جميع الأطراف أكثر من كونه مجرد جولة تفاوضية إضافية. فإما أن تفرض الضغوط الأميركية جدولاً زمنياً واضحاً للانسحاب والانتشار، أو تنزلق الجهود مجدداً نحو التعقيد الميداني والسياسي الذي طبع الأشهر الماضية.

المنشورات ذات الصلة