عاجل:

الجنوب العالمي ينتفض... شبكات مالية بديلة تحاصر الدولار!

  • ١٩
تشهد استراتيجية الصين الخاصة باليوان الرقمي تحولًا لافتًا، مع انتقال التركيز من استخدامه كوسيلة دفع يومية للمستهلكين إلى توظيفه كأداة مالية تخدم البنوك والتسويات العابرة للحدود. ويعكس هذا التحول رؤية بكين لتعزيز مكانة عملتها الرقمية داخل النظام المالي العالمي، في إطار مساعٍ لتوسيع خياراتها النقدية وتقليل الاعتماد على البنية المالية التقليدية التي يهيمن عليها الدولار.

ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه أهمية أنظمة الدفع البديلة، مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية والعقوبات المالية، التي دفعت العديد من الدول إلى البحث عن قنوات أكثر مرونة لإجراء المدفوعات الدولية.

مع بداية عام 2026، دخل في الصين إطار تنظيمي جديد يمنح اليوان الإلكتروني وضعًا قانونيًا مختلفًا، إذ بات يُعامل باعتباره "أموال إيداع رقمية" داخل النظام المصرفي.

وبموجب القواعد الجديدة، أصبحت البنوك التجارية ملزمة بدفع فوائد على أرصدة محافظ اليوان الرقمي، وإدراجها ضمن ميزانياتها العمومية، مع إخضاعها لتأمين الودائع ومتطلبات الاحتياطي الإلزامي.

ويرى مختصون أن هذه الخطوة تمنح المستخدمين حافزًا اقتصاديًا للاحتفاظ باليوان الرقمي، كما تعزز دور البنوك في توزيعه وإدارته، لينتقل من مجرد وسيلة دفع إلكترونية إلى أداة مالية مرتبطة مباشرة بالبنية المصرفية.

من المنافسة المحلية إلى التسويات الدولية
في السنوات الماضية، انصب الاهتمام على قدرة اليوان الرقمي على منافسة تطبيقات الدفع الشهيرة داخل الصين، مثل "Alipay" و"WeChat Pay"، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن بكين باتت تركز على دور العملة الرقمية في تسهيل عمليات التسوية بين المؤسسات المالية.

ويعتبر هذا التحول أكثر أهمية من المنافسة داخل سوق المدفوعات المحلية، إذ يمنح اليوان الرقمي وظيفة استراتيجية في عمليات التجارة الدولية وتسوية المدفوعات بين البنوك.

يمثل مشروع mBridge أحد أبرز أدوات الصين لتحقيق هذا الهدف، وهو منصة مشتركة للعملات الرقمية للبنوك المركزية طورتها السلطات النقدية في الصين وهونغ كونغ وتايلاند والإمارات العربية المتحدة، قبل أن تنضم إليها المملكة العربية السعودية كعضو كامل العام 2024.

وتهدف المنصة إلى تنفيذ المدفوعات والتسويات الفورية عبر الحدود باستخدام تقنية دفتر الأستاذ الموزع، بما يسمح بتقليص زمن تنفيذ المعاملات وخفض تكلفتها.

ويرى خبراء أن طبيعة اليوان الرقمي الجديدة، بوصفه أشبه بالودائع المصرفية، تجعله أكثر ملاءمة لهذا النوع من المعاملات مقارنة باستخدامه كوسيلة دفع للأفراد.

تحوط نقدي في مواجهة المخاطر
تعكس هذه التحركات ما يصفه خبراء الاقتصاد بـ"التحوط النقدي"، أي بناء قنوات دفع وتسوية متعددة تقلل من الاعتماد على مسار مالي واحد.

ورغم استمرار هيمنة الدولار على النظام النقدي العالمي، حيث يمثل أكثر من 57% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية خلال الربع الأول من عام 2026، مقابل أقل من 2% لليوان الصيني، فإن بكين تعمل على توسيع حضور عملتها تدريجيًا عبر تطوير البنية التحتية للمدفوعات.

وتشغل الصين بالفعل نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود (CIPS)، فيما يضيف مشروع mBridge قناة جديدة للتسويات الرقمية بين المؤسسات المالية.

أعادت العقوبات الغربية على إيران وروسيا تسليط الضوء على أهمية امتلاك بدائل لأنظمة الدفع التقليدية.

فاستبعاد بنوك إيرانية ثم روسية من نظام "سويفت" خلال الأعوام الماضية كشف للدول أن الوصول إلى شبكات المدفوعات الدولية قد يتحول إلى أداة ضغط سياسية، وهو ما عزز اهتمام العديد من الحكومات ببناء قنوات مالية بديلة.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم "تعدد خيارات التسوية"، الذي يقوم على الاحتفاظ بعدة شبكات دفع يمكن اللجوء إليها عند تعطل أو تقييد القنوات التقليدية.

آسيان مختبر للتجارب المالية
تُعد رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) من أكثر المناطق نشاطًا في اختبار تقنيات المدفوعات الرقمية.

فقد أطلقت سنغافورة تجارب على التسويات الرقمية، بينما تشارك تايلاند في مشروع mBridge، وتعمل إندونيسيا والفلبين على تطوير عملات رقمية مخصصة للمعاملات بين البنوك، في حين بنت كمبوديا نظام "باكونغ" القائم على تقنية البلوك تشين لربط المؤسسات المالية.

وتوفر هذه المبادرات بيئة مناسبة لتطوير أنظمة دفع قابلة للتشغيل البيني، رغم اختلاف مستويات الجاهزية التقنية بين دول المنطقة.

بالتوازي مع mBridge، يجري تطوير مشروع Nexus، الذي يربط أنظمة الدفع الفوري في الهند وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند، مع مشاركة إندونيسيا بصفة مراقب.

ويهدف المشروع إلى إنشاء شبكة موحدة تسمح بربط الأنظمة الوطنية عبر عملية تكامل واحدة، بما يسهل المدفوعات الإقليمية ويخفض تكاليف التحويل.

كما أعلنت رابطة آسيان الانتهاء من المفاوضات الأساسية لاتفاق إطار الاقتصاد الرقمي، الذي يتضمن تنظيم المدفوعات الرقمية، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني، بما يدعم التكامل المالي داخل المنطقة.

شبكات جديدة في الجنوب العالمي
لا يقتصر الاتجاه نحو بناء أنظمة دفع بديلة على آسيا، إذ شهدت أفريقيا توسع نظام المدفوعات والتسويات الأفريقي (PAPSS)، الذي يضم عشرات الدول ومئات البنوك وشركات التكنولوجيا المالية، بهدف تسهيل المدفوعات بالعملات المحلية.

وفي العالم العربي، طورت منصة "بُنى" التابعة لصندوق النقد العربي نظامًا متعدد العملات للمدفوعات العابرة للحدود، كما وقعت مذكرة تفاهم مع النظام الأفريقي لتعزيز الربط بين الشبكتين.

وفي الوقت نفسه، تواصل مجموعة "بريكس" مناقشة توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة بين أعضائها، مع التركيز على تطوير أدوات الدفع وخفض تكاليف المعاملات، دون الاتجاه في الوقت الحالي إلى إطلاق عملة موحدة.

يرى خبراء أن المنافسة المستقبلية لن تقتصر على العملات نفسها، بل ستشمل البنية التحتية التي تربط أنظمة الدفع، وقواعد تبادل البيانات، وآليات الامتثال، وإدارة السيولة وتسوية المنازعات.

وفي هذا السياق، يمثل التحول الذي تشهده الصين في إدارة اليوان الرقمي خطوة ضمن سباق أوسع لإعادة تشكيل منظومة المدفوعات الدولية، حيث تتجه الدول تدريجيًا إلى بناء شبكات مالية أكثر تنوعًا ومرونة، استعدادًا لمرحلة قد تصبح فيها البنية التحتية الرقمية عنصرًا أساسيًا في موازين القوة الاقتصادية والجيوسياسية.

وكالة إرم نيوز

المنشورات ذات الصلة