عاجل:

الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع المسؤولية الدستورية والقانونية لرئيس مجلس الوزراء وحدود الحصانة(1)

  • ٣٧


خاص – "ايست نيوز"

يشكل موقع رئيس مجلس الوزراء في النظام الدستوري اللبناني إحدى أكثر المؤسسات الدستورية تعقيداً من حيث تحديد طبيعة المسؤولية وحدود الحماية القانونية، ذلك أن رئيس الحكومة لا يجمع بين صفة واحدة، بل يتداخل في شخصه أكثر من مركز دستوري وقانوني في آن واحد. فهو رئيس السلطة التنفيذية بالمعنى الوظيفي بعد التعديلات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وهو في الوقت نفسه وزير يخضع للأحكام الدستورية الخاصة بمسؤولية الوزراء، وقد يكون نائباً منتخباً يتمتع، عندئذ، بالحصانة النيابية المقررة لجميع أعضاء مجلس النواب، وقد لا يكون نائباً فينتفي عنه هذا النوع من الحصانة. وقد أدى هذا التداخل بين الصفات الدستورية إلى انتشار اعتقاد واسع في الحياة السياسية اللبنانية بأن رئيس مجلس الوزراء يتمتع بحصانات متعددة ومتراكبة تجعله بمنأى عن الملاحقة القضائية، في حين أن القراءة الدقيقة للدستور والقوانين النافذة تكشف أن الأمر أكثر تعقيداً، وأن كثيراً مما استقر في الوعي العام لا يجد أساساً صريحاً في النصوص الدستورية.

وتندرج هذه الدراسة ضمن المشروع البحثي الموسوم "الحصانات في النظام الدستوري اللبناني: بين القانون والشائع"، الذي يهدف إلى إعادة بناء المفهوم القانوني للحصانات في لبنان على أساس النصوص الدستورية والاجتهادات والفقه، بعيداً عن الأعراف السياسية التي تراكمت عبر العقود. فالغاية ليست الدفاع عن الحصانات أو المطالبة بإلغائها، وإنما تحديد نطاقها الحقيقي، والتمييز بين ما شرعه الدستور لحماية المؤسسات الدستورية، وما أفرزته الممارسة السياسية من صور للحماية لم ينص عليها القانون.

ويكتسب البحث في مسؤولية رئيس مجلس الوزراء أهمية خاصة بعد اتفاق الطائف، لأن هذا الاتفاق لم يعدل فقط توزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، بل أعاد رسم موقع رئيس الحكومة داخل السلطة التنفيذية، وجعله شريكاً أساسياً في إدارة الدولة وفي ممارسة السلطة التنفيذية من خلال مجلس الوزراء مجتمعاً. ومن ثم، فإن دراسة مسؤوليته لم تعد مرتبطة فقط بصفته وزيراً، بل أصبحت ترتبط أيضاً بوظيفته الدستورية كرئيس للحكومة والمسؤول الأول عن تنسيق عملها، وعن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء.

وهنا تبرز الإشكالية الأساسية التي سترافق هذه الدراسة بأكملها، وهي أن الدستور اللبناني لا يتضمن نصاً يمنح رئيس مجلس الوزراء حصانة خاصة مستقلة عن النظام المقرر للوزراء، كما أنه لا يخصص له أحكاماً مماثلة لتلك التي قررها لرئيس الجمهورية. فالقاعدة الدستورية أن رئيس الحكومة، من حيث المسؤولية عن الأفعال المرتبطة بممارسة الوظيفة الوزارية، يخضع للنظام نفسه الذي يخضع له الوزراء، لأن الدستور يعتبره أحد أعضاء مجلس الوزراء، وإن كان يتولى رئاسته. أما إذا كان رئيس الحكومة نائباً، فإنه يستفيد، بصفته النيابية لا الحكومية، من الحصانة البرلمانية ضمن حدودها الدستورية. ويترتب على ذلك أن أي تحليل قانوني لموقع رئيس مجلس الوزراء يجب أن يبدأ بالفصل بين صفاته المختلفة، وعدم الخلط بينها.

ويعد هذا الفصل من أهم متطلبات المنهج الدستوري، لأن المسؤولية لا تتحدد بحسب الشخص، وإنما بحسب الصفة التي كان يمارسها عند ارتكاب الفعل محل الملاحقة. فإذا كان الفعل مندرجاً في إطار ممارسة الوظيفة الوزارية، وجب تطبيق الأحكام الخاصة بمسؤولية الوزراء. أما إذا كان الفعل لا علاقة له بهذه الوظيفة، فإن القواعد العامة هي التي تحدد المرجع القضائي المختص، مع مراعاة ما إذا كان رئيس الحكومة يتمتع في الوقت نفسه بالحصانة النيابية بسبب عضويته في مجلس النواب.

ويؤدي هذا التمييز إلى تصحيح أحد أكثر المفاهيم شيوعاً في الحياة الدستورية اللبنانية، وهو الاعتقاد بأن رئيس مجلس الوزراء يتمتع بحصانة شخصية لمجرد توليه رئاسة الحكومة. فالواقع أن الدستور لم يستخدم أصلاً عبارة "حصانة رئيس مجلس الوزراء"، وإنما نظم مسؤولية الوزراء بوجه عام، وجعل رئيس الحكومة خاضعاً لها في كل ما يتعلق بالأعمال المتصلة بممارسة الوظيفة الوزارية. ومن ثم، فإن الحديث عن حصانة مستقلة لرئيس الحكومة لا يجد له سنداً صريحاً في الدستور، وإنما هو نتيجة الخلط بين المكانة السياسية التي يحتلها داخل السلطة التنفيذية وبين المركز القانوني الذي حدده الدستور.

ولكي تتضح هذه المسألة، لا بد من العودة إلى فلسفة المسؤولية الوزارية في النظام البرلماني. فالوزير، ومن ضمنه رئيس مجلس الوزراء، لا يمارس السلطة التنفيذية باسمه الشخصي، وإنما بوصفه عضواً في هيئة جماعية هي مجلس الوزراء. ولذلك، فإن الدساتير البرلمانية تميز تقليدياً بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجزائية. فالمسؤولية السياسية تعني خضوع الحكومة أو أحد أعضائها لرقابة البرلمان، وإمكان سحب الثقة منه وفق الأصول الدستورية، وهي مسؤولية لا تتطلب ارتكاب جريمة، بل قد تقوم لمجرد فقدان الثقة السياسية. أما المسؤولية الجزائية، فتقوم عند ارتكاب أفعال تشكل جرائم معاقباً عليها قانوناً، وتخضع لأحكام مختلفة بحسب طبيعة الجريمة وعلاقتها بالوظيفة.

وقد أخذ الدستور اللبناني بهذا التمييز، فنظم المسؤولية السياسية للحكومة أمام مجلس النواب، وفي الوقت نفسه أفرد للوزراء نظاماً خاصاً بالنسبة إلى الجرائم الناشئة عن ممارسة وظائفهم، وهو النظام الذي يشكل الأساس القانوني لمسؤولية رئيس مجلس الوزراء عندما يكون الفعل المنسوب إليه مرتبطاً بممارسة مهامه الحكومية.

وتبرز في هذا السياق المادة السبعون من الدستور، التي تعد حجر الأساس في نظام مساءلة الوزراء، إذ أجازت لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء بارتكاب الخيانة العظمى أو بالإخلال بالواجبات المترتبة عليهم، على أن يصدر قرار الاتهام بأكثرية الثلثين من مجموع أعضاء المجلس. أما المادة الحادية والسبعون، فقد نصت على أن يحاكم رئيس مجلس الوزراء أو الوزير المتهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وتكشف هاتان المادتان عن حقيقة قانونية بالغة الأهمية، وهي أن الدستور لم يمنح رئيس مجلس الوزراء حصانة بالمعنى التقليدي، وإنما أنشأ نظاماً خاصاً للمساءلة بالنسبة إلى فئة محددة من الأفعال، هي الأفعال الداخلة في إطار ممارسة الوظيفة الوزارية. وهذا النظام لا يؤدي إلى إلغاء المسؤولية، بل إلى تنظيمها عبر مرجع دستوري خاص، تماماً كما سبق أن بينت الدراسة الخاصة برئيس الجمهورية، مع اختلاف جوهري في طبيعة الأفعال المشمولة وفي الأساس الدستوري لكل منهما.

ومن هنا يبرز السؤال الذي سيشكل محور هذه الدراسة: ما المقصود بالجرائم الناشئة عن ممارسة الوظيفة الوزارية؟ وهل كل جريمة يرتكبها رئيس مجلس الوزراء تدخل في اختصاص المجلس الأعلى، أم أن اختصاص هذا المجلس يقتصر على فئة معينة من الجرائم، بينما تبقى الجرائم الأخرى خاضعة للقضاء العدلي؟ وهل يشكل الإخلال بالواجبات المترتبة على رئيس الحكومة مفهوماً دستورياً مستقلاً عن الجرائم الجزائية، أم أنه يدخل ضمن نطاق المسؤولية السياسية فقط؟ وما أثر الجمع بين صفة رئيس الحكومة وصفة النائب إذا كان يشغل المقعدين معاً؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي أولاً تحديد الطبيعة القانونية لاختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وبيان ما إذا كان اختصاصاً حصرياً أم استثنائياً، ثم التمييز بين الجرائم الوظيفية والجرائم العادية، وهو ما سيشكل محور الجزء الثاني من هذه الدراسة، تمهيداً للوصول في الجزء الثالث إلى تقييم التجربة اللبنانية والتمييز، مرة جديدة، بين القانون كما رسمه الدستور، والشائع كما استقر في الممارسة السياسية والقضائية.



المنشورات ذات الصلة