خاص – "ايست نيوز"
يقود البحث في مسؤولية رئيس مجلس الوزراء إلى النقطة الأكثر تعقيداً في النظام الدستوري اللبناني، والمتمثلة في تحديد نطاق اختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، لأن هذا الاختصاص هو الذي أدى، منذ نشأة الدولة اللبنانية، إلى أكبر قدر من الاختلاف الفقهي والقضائي حول الحدود الفاصلة بين القضاء العدلي والقضاء الدستوري الخاص. فالإشكالية لا تتعلق بوجود مسؤولية من عدمها، إذ إن الدستور حسم هذا الأمر عندما نص صراحة على مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء، وإنما تتمحور حول تحديد الجهة المختصة بالملاحقة والمحاكمة، وطبيعة الأفعال التي تدخل ضمن الاختصاص الاستثنائي للمجلس الأعلى، وما إذا كان هذا الاختصاص يحجب بصورة مطلقة ولاية القضاء العدلي أم يقتصر على حالات محددة دون سواها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية، لأن الدستور اللبناني، خلافاً لما يعتقده كثيرون، لم ينشئ حصانة شخصية لرئيس مجلس الوزراء، وإنما رسم طريقاً إجرائياً خاصاً لمساءلته عن فئة معينة من الأفعال. ولذلك فإن فهم المواد السبعين والحادية والسبعين والثمانين من الدستور لا يمكن أن يتم بمعزل عن المبادئ العامة التي تحكم توزيع الاختصاص بين القضاء العدلي والهيئات القضائية ذات الطبيعة الدستورية.
فالمادة السبعون من الدستور أجازت لمجلس النواب اتهام رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء بارتكاب الخيانة العظمى أو بالإخلال بالواجبات المترتبة عليهم، على أن يصدر قرار الاتهام بأكثرية الثلثين من مجموع أعضاء المجلس. أما المادة الحادية والسبعون فأناطت بالمجلس الأعلى محاكمة المتهمين بعد صدور قرار الاتهام. ويلاحظ أن النص الدستوري لم يتحدث عن جميع الجرائم، بل استخدم عبارتين محددتين هما "الخيانة العظمى" و"الإخلال بالواجبات المترتبة عليهم"، الأمر الذي يثير سؤالاً أساسياً: هل قصد المشترع الدستوري إخضاع جميع الجرائم التي قد يرتكبها رئيس الحكومة للمجلس الأعلى، أم أنه قصد فقط الجرائم ذات الطبيعة الوظيفية والدستورية؟
لقد انقسم الفقه اللبناني حول هذه المسألة إلى اتجاهين رئيسيين. يذهب الاتجاه الأول إلى اعتبار أن كل فعل يرتبط بممارسة الوظيفة الوزارية يدخل حكماً في اختصاص المجلس الأعلى، حتى لو كان يشكل في الوقت نفسه جريمة منصوصاً عليها في قانون العقوبات أو في القوانين الجزائية الخاصة. ويستند هذا الرأي إلى أن المشترع الدستوري أراد حماية استقلال السلطة التنفيذية ومنع القضاء العدلي من التدخل في تقييم الأعمال الوزارية التي قد تختلط فيها الاعتبارات القانونية بالخيارات السياسية والإدارية. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن إخضاع الوزراء، ومن بينهم رئيس مجلس الوزراء، للقضاء العدلي عن أعمالهم الوظيفية قد يؤدي إلى شل عمل السلطة التنفيذية وإلى إحلال القضاء محل السلطة السياسية في تقدير مدى سلامة القرارات الحكومية.
في المقابل، يذهب اتجاه فقهي آخر، وهو الذي اكتسب زخماً متزايداً في العقود الأخيرة، إلى أن اختصاص المجلس الأعلى يجب أن يفسر تفسيراً ضيقاً لأنه يشكل استثناءً على الولاية العامة للقضاء العدلي. ووفقاً لهذا الاتجاه، فإن الجرائم العادية، حتى لو ارتكبت أثناء ممارسة الوظيفة، لا تنتقل تلقائياً إلى اختصاص المجلس الأعلى ما لم تكن مرتبطة مباشرة بمفهوم الإخلال بالواجبات الوزارية بالمعنى الدستوري. أما الأفعال التي تشكل جرائم جزائية قائمة بذاتها، كالاختلاس والرشوة واستغلال النفوذ وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع والتزوير وسائر الجرائم المالية والإدارية، فإن الأصل يقضي بخضوعها للقضاء العدلي، ما لم يكن هناك نص دستوري أو قانوني صريح يقضي بخلاف ذلك.
وتبرز أهمية هذا الاتجاه في كونه يستند إلى مبدأ دستوري راسخ، هو أن الاستثناء لا يجوز التوسع في تفسيره. فولاية القضاء العدلي هي الولاية العامة في الدولة، وأي خروج عليها يجب أن يبقى محصوراً في الحدود التي رسمها الدستور بصورة واضحة. ولذلك، فإن مجرد كون الشخص رئيساً لمجلس الوزراء لا يكفي لنقل جميع الجرائم المنسوبة إليه إلى المجلس الأعلى، لأن معيار الاختصاص لا يتعلق بصفة الفاعل وحدها، بل بطبيعة الفعل المرتكب وعلاقته المباشرة بالوظيفة الدستورية.
وقد شهد لبنان خلال العقود الماضية سجالات قانونية واسعة حول هذا الموضوع، ولا سيما في القضايا التي طالت وزراء ورؤساء حكومات سابقين على خلفية ملفات مالية أو إدارية أو تتعلق بإدارة المرافق العامة. وأظهرت هذه السجالات أن الخلاف الحقيقي لم يكن حول مبدأ المحاسبة، وإنما حول المرجع المختص بها، وهو خلاف انعكس على أداء المؤسسات القضائية وأدى في بعض الأحيان إلى تعطيل إجراءات الملاحقة بسبب تنازع الاختصاص أو اختلاف تفسير النصوص الدستورية.
ومن الناحية العملية، أدى هذا الواقع إلى بروز اجتهادات متعددة داخل القضاء اللبناني، كان أبرزها ما صدر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، التي سعت إلى وضع معايير للتمييز بين الأعمال الداخلة في صميم الوظيفة الوزارية والأعمال التي لا تتمتع بهذه الصفة. وقد استقر جانب مهم من الاجتهاد اللبناني على أن الوزير، ورئيس مجلس الوزراء من باب أولى، لا يستفيد من الاختصاص الاستثنائي للمجلس الأعلى إلا بالنسبة إلى الأفعال التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بممارسة صلاحياته الدستورية والسياسية، أما إذا كان الفعل يشكل جريمة عادية يمكن أن يرتكبها أي شخص، فإن الاختصاص يبقى للقضاء العدلي، لأن الجريمة لا تستمد طبيعتها من صفة مرتكبها، بل من عناصرها القانونية.
وتنسجم هذه المقاربة مع الاتجاه الذي تبنته غالبية الأنظمة الديمقراطية المقارنة، حيث يجري التمييز بين ما يعرف بـ"الخطأ السياسي" أو "الخطأ الدستوري"، وبين "الجريمة الجزائية". فالقرار الحكومي الذي يثبت لاحقاً أنه كان سيئاً أو غير موفق قد يؤدي إلى مسؤولية سياسية تستوجب الاستقالة أو سحب الثقة، لكنه لا يشكل بالضرورة جريمة جزائية. وفي المقابل، فإن ارتكاب فعل يدخل في نطاق الرشوة أو الاختلاس أو إساءة استعمال السلطة لا يتحول إلى عمل سياسي لمجرد أن مرتكبه وزير أو رئيس حكومة، بل يبقى خاضعاً للأحكام الجزائية العامة.
ويؤدي هذا التمييز إلى إعادة النظر في مفهوم "الإخلال بالواجبات المترتبة عليهم" الوارد في المادة السبعين من الدستور، وهو من أكثر المفاهيم غموضاً في النظام الدستوري اللبناني. فالمشترع الدستوري لم يعرف المقصود بهذه العبارة، كما لم يحدد معياراً فاصلاً بينها وبين الجرائم الجزائية العادية. وقد دفع هذا الغموض عدداً من كبار فقهاء القانون الدستوري اللبناني إلى اعتبار أن المقصود بها هو الإخلال الجسيم بالواجبات الدستورية والسياسية الملازمة للوظيفة الوزارية، كأن يتخذ الوزير أو رئيس الحكومة قراراً يشكل انتهاكاً واضحاً للدستور أو يسيء استعمال سلطته بما يمس سلامة النظام الدستوري أو حسن سير المرافق العامة على نحو يتجاوز مجرد الخطأ الإداري أو السياسي.
غير أن هذا التفسير لا يعني أن كل مخالفة للقانون يرتكبها رئيس الحكومة تدخل في هذا المفهوم، لأن ذلك يؤدي عملياً إلى سحب معظم الجرائم من ولاية القضاء العدلي وإفراغ مبدأ الاختصاص العام من مضمونه. ولهذا السبب، اتجه الفقه الحديث إلى اعتماد معيار مزدوج يقوم على طبيعة الفعل وعلى علاقته المباشرة بالوظيفة الوزارية، بحيث لا يكفي أن يكون الفاعل رئيساً للحكومة، بل يجب أن يكون الفعل نفسه متصلاً اتصالاً عضوياً بممارسة صلاحياته الدستورية.
ويبرز هنا أيضاً أثر الجمع بين صفة رئيس مجلس الوزراء وصفة النائب. فإذا كان رئيس الحكومة عضواً في مجلس النواب، فإنه يتمتع بالحصانة النيابية ضمن الحدود التي سبق بيانها في الدراسة الخاصة برئيس مجلس النواب، إلا أن هذه الحصانة لا تغير قواعد الاختصاص المتعلقة بالجرائم الوزارية، بل تضيف قيداً إجرائياً آخر في الحالات التي يحددها الدستور. أما إذا لم يكن رئيس الحكومة نائباً، فإن هذا القيد ينتفي، ويبقى البحث محصوراً في تطبيق المواد الدستورية الخاصة بمسؤولية الوزراء.
ومن ثم، فإن الحماية التي قد يتمتع بها رئيس مجلس الوزراء ليست حماية واحدة، وإنما قد تتعدد مصادرها بحسب الصفات التي يجمعها، إلا أن هذا التعدد لا يؤدي إلى إنشاء حصانة مطلقة، ولا يحول دون مساءلته، بل يفرض فقط تحديد الطريق الدستوري والقانوني الصحيح الذي يجب اتباعه عند تحريك الملاحقة.
وهكذا يتبين أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في وجود مسؤولية أو غيابها، وإنما في رسم الحدود الدقيقة بين اختصاص المجلس الأعلى واختصاص القضاء العدلي، وبين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجزائية، وهي الحدود التي ظلت محل جدل واسع في الفقه والاجتهاد اللبنانيين، والتي ستقود في الجزء الثالث والأخير إلى تقييم نقدي للتجربة اللبنانية في ضوء التطبيقات العملية والاجتهادات القضائية والفقه المقارن، وصولاً إلى الإجابة عن السؤال المحوري الذي تقوم عليه هذه السلسلة: هل وفر الدستور لرئيس مجلس الوزراء حماية وظيفية مؤقتة لضمان حسن سير السلطة التنفيذية، أم أن الممارسة السياسية حولت هذه الحماية إلى ما يشبه الحصانة التي تعيق مبدأ المساءلة وسيادة القانون؟