خاص – "ايست نيوز"
يشكل موقع الوزير في النظام الدستوري اللبناني أحد أكثر المواقع التي تتجلى فيها طبيعة التداخل بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجزائية، وبين الحماية الوظيفية والرقابة البرلمانية، إلى درجة أصبح معها مفهوم "الحصانة الوزارية" من أكثر المفاهيم عرضة لسوء الفهم في الخطاب العام، إذ جرى في كثير من الأحيان التعامل معه كما لو أنه امتياز شخصي يمنع الملاحقة أو يعطل مبدأ المساواة أمام القانون، في حين أن القراءة الدقيقة للنصوص الدستورية والقانونية تكشف أن النظام الدستوري اللبناني لم ينشئ حصانة للوزير بقدر ما أنشأ نظاماً خاصاً للمساءلة، يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين استقرار السلطة التنفيذية وضمان عدم إفلات أي مسؤول من المحاسبة.
ويقوم المركز القانوني للوزير في لبنان على كونه عضواً في السلطة التنفيذية التي يتولاها مجلس الوزراء مجتمعاً، بحيث لا يمارس صلاحياته بوصفه سلطة مستقلة، بل ضمن إطار التضامن الوزاري من جهة، والمسؤولية الفردية عن أعمال وزارته من جهة ثانية. وهذا التوصيف الدستوري ينعكس مباشرة على طبيعة مسؤوليته، إذ لا يمكن الحديث عن “حصانة” بالمعنى التقليدي، بل عن نظام مزدوج للمساءلة: سياسية أمام مجلس النواب، وجزائية أمام القضاء المختص، مع مسار دستوري خاص في حالات محددة تتصل بالجرائم ذات الطابع الوظيفي.
فمن الناحية السياسية، يخضع الوزير لرقابة مجلس النواب عبر آليات الثقة والأسئلة والاستجواب، وصولاً إلى إمكانية سحب الثقة منه أو من الحكومة كاملة. وهذه المسؤولية لا تتطلب ارتكاب جرم جزائي، بل تقوم على تقدير سياسي لأداء الوزير ومدى انسجامه مع السياسة العامة للدولة أو مع التزامات الحكومة أمام المجلس النيابي. أما من الناحية الجزائية، فإن الأصل هو خضوع الوزير للقواعد العامة التي تطبق على أي مواطن، باعتبار أن الصفة الوزارية لا تنشئ حصانة شخصية، وإنما قد تفرض في بعض الحالات مساراً إجرائياً خاصاً إذا كان الفعل المرتكب مرتبطاً مباشرة بممارسة الوظيفة الوزارية.
وهنا تبرز المادة السبعون من الدستور بوصفها المدخل الأساسي لفهم هذا النظام، إذ أجازت لمجلس النواب اتهام رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء بارتكاب الخيانة العظمى أو بالإخلال بالواجبات المترتبة عليهم، على أن يحالوا بعد ذلك إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. غير أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في وجود هذا النص، بل في تفسير عبارتي “الخيانة العظمى” و“الإخلال بالواجبات”، إذ لم يضع الدستور تعريفاً لهما، ولم يحدد معياراً فاصلاً بينهما وبين الجرائم الجزائية العادية.
وقد أدى هذا الغموض إلى تباين واضح في الفقه اللبناني، حيث ذهب اتجاه إلى اعتبار أن أي جريمة يرتكبها الوزير أثناء توليه منصبه تدخل حكماً ضمن مفهوم الإخلال بالواجبات، وبالتالي تخضع لاختصاص المجلس الأعلى، بينما ذهب اتجاه آخر إلى حصر هذا المفهوم بالأفعال التي تمس مباشرة جوهر الوظيفة الوزارية أو تهدد النظام الدستوري، دون أن يمتد إلى الجرائم الجزائية العادية التي تبقى من اختصاص القضاء العدلي. ويستند هذا الاتجاه الأخير إلى مبدأ أساسي في القانون الدستوري، وهو أن الاستثناءات على ولاية القضاء العام يجب أن تفسر تفسيراً ضيقاً، وأن لا يجوز التوسع فيها إلا بنص صريح وواضح.
ومن الناحية العملية، يتبين أن الوزير لا يتمتع بأي حصانة تحول دون ملاحقته قضائياً، وإنما يخضع فقط لقيود إجرائية محددة في حالات معينة، أبرزها ضرورة صدور قرار اتهام من مجلس النواب بأكثرية الثلثين، قبل إحالة الملف إلى المجلس الأعلى في الجرائم ذات الطبيعة الدستورية أو الوظيفية. أما في الجرائم العادية التي لا ترتبط بممارسة الوظيفة الوزارية، فإن الأصل هو خضوع الوزير للقضاء العدلي وفق القواعد العامة، دون حاجة إلى المرور بالمسار الدستوري الخاص، إلا إذا ارتبط الفعل مباشرة بالمهام الوزارية بحيث يصعب فصله عن القرار السياسي أو الإداري.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في ضوء التجربة اللبنانية، حيث كثيراً ما اختلطت الاعتبارات السياسية بالمسار القضائي، ما أدى إلى تضخيم مفهوم الحصانة الوزارية في الوعي العام، بحيث أصبح يُنظر إلى الوزير وكأنه خارج نطاق المساءلة القضائية، في حين أن الدستور لم يكرس أي امتياز من هذا النوع. بل على العكس، يمكن القول إن الدستور اللبناني، في صياغته الحالية، يميل إلى تضييق نطاق الحصانات أكثر مما يوسعه، من خلال حصرها في إطار وظيفي وإجرائي مؤقت، وليس في إطار شخصي دائم.
وتزداد الصورة وضوحاً عند التمييز بين الخطأ السياسي والخطأ الجزائي. فالخطأ السياسي هو الذي يتعلق بملاءمة القرار الوزاري أو صوابيته أو انسجامه مع المصلحة العامة، وهذا النوع من الأخطاء يخضع حصراً للرقابة البرلمانية، وقد يؤدي إلى مسؤولية سياسية تنتهي بالاستقالة أو سحب الثقة. أما الخطأ الجزائي فهو الذي يتضمن أفعالاً مجرمة قانوناً مثل الرشوة أو الاختلاس أو استغلال النفوذ أو التزوير أو الإثراء غير المشروع، وهذه الأفعال لا يمكن أن تتحول إلى مجرد أخطاء سياسية بسبب صدورها عن وزير، بل تبقى خاضعة للمساءلة الجزائية وفقاً للقوانين النافذة، مع مراعاة الضوابط الدستورية الخاصة في حال انطباقها.
ويظهر من خلال هذا التمييز أن الخلط بين المسؤوليتين السياسية والجزائية هو أحد أهم أسباب سوء فهم طبيعة الحصانة الوزارية في لبنان. فالنظام الدستوري لا يمنح الوزير أي حماية مطلقة، وإنما يوزع المسؤولية بين مستويات مختلفة، بحيث يخضع الوزير للمحاسبة السياسية أمام البرلمان، وللمساءلة الجزائية أمام القضاء، وللمسار الدستوري الخاص فقط في نطاق محدود يتعلق بالجرائم ذات الطابع الوظيفي المباشر.
كما أن وجود المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء لا يعني نقل كل الجرائم إليه، بل يعني إنشاء مرجع استثنائي لمجموعة محددة من الأفعال التي تتجاوز الإطار الجزائي التقليدي، وتلامس جوهر الوظيفة الدستورية. غير أن تعطّل هذا المجلس عملياً في معظم المراحل التاريخية جعل النص الدستوري أقرب إلى الإطار النظري منه إلى الآلية الفاعلة، وهو ما ساهم في تعزيز الانطباع بوجود فراغ أو حصانة غير مبررة، في حين أن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف التفعيل لا في غياب النصوص.
ومن زاوية مقارنة، يتبين أن الأنظمة البرلمانية الحديثة تميل إلى تقليص الفوارق بين الوزير والمواطن العادي أمام القضاء، مع الإبقاء فقط على ضمانات إجرائية محدودة تحول دون استغلال القضاء في الصراع السياسي. ولم يعد الاتجاه الغالب يقبل بفكرة الحصانة الواسعة للوزراء، بل بات يعتبر أن خضوع المسؤول السياسي للقانون هو أحد ركائز الدولة الدستورية الحديثة، وأن أي استثناء يجب أن يبرر بضرورات وظيفية دقيقة ومحددة.
وبذلك يتضح أن الوزير في النظام الدستوري اللبناني لا يتمتع بحصانة بالمعنى التقليدي، وإنما يخضع لنظام مساءلة مركب يجمع بين السياسة والقضاء والدستور، وأن أي قراءة توسعية لهذا النظام لا تستند إلى نصوص صريحة، بل إلى تفسيرات سياسية تراكمت عبر الزمن. أما القراءة القانونية الدقيقة فتؤكد أن الأصل هو المسؤولية، وأن الاستثناء هو الإجراء، وأن الوظيفة لا تنشئ امتيازاً، بل تفرض مسؤولية مضاعفة.
وتنتهي هذه الدراسة إلى النتيجة ذاتها التي حكمت مجمل هذه السلسلة منذ بدايتها، وهي أن الفجوة بين القانون والشائع في موضوع الحصانات في لبنان ليست فجوة نصوص، بل فجوة إدراك وتطبيق. فالنصوص الدستورية، في جوهرها، لا تمنح امتيازات شخصية مطلقة لأي من المسؤولين، بل تنظم المسؤولية ضمن أطر مختلفة تتناسب مع طبيعة كل وظيفة. أما الشائع في الحياة السياسية، فقد أنتج صورة مغايرة قوامها الاعتقاد بأن الحصانات تشكل درعاً يمنع المساءلة، في حين أن القراءة العلمية الدقيقة تكشف أنها ليست سوى أدوات إجرائية لضبط التوازن بين السلطات، لا لإلغاء مبدأ سيادة القانون.