عاجل:

فن الحرب الهادئة: في اليوم العالمي للشطرنج من يحرّك القطع فعلاً؟

  • ٨٣

في العشرين من تموز من كل عام، يتوقف العالم لحظة أمام رقعة مربعة بلونين، ليس احتفاءً بلعبة فحسب، بل بفكرة أقدم من ذلك بكثير: أن الذكاء، حين يُنظَّم بقواعد صارمة، يتحوّل إلى أداة سيطرة. اختارت الأمم المتحدة هذا التاريخ تكريماً لذكرى تأسيس الاتحاد الدولي للشطرنج "فيده" في باريس عام 1924، بعدما كان لاعبو اللعبة يحتفلون به تقليدياً منذ عام 1966، قبل أن يمنحه القرار الأممي الصادر أواخر 2019 صفته الرسمية العالمية.

خلف هذا الاحتفال الرمزي، تختبئ تفاصيل تستحق التوقف عندها. فأقدم مباراة شطرنج مسجّلة في التاريخ تعود إلى القرن العاشر الميلادي، وجمعت مؤرخاً بغدادياً بأحد تلامذته، في إشارة إلى أن اللعبة لم تكن يومًا مجرد تسلية، بل تمريناً في النقل والتلقين. أما أول بطولة رسمية للشطرنج الحديث، فأُقيمت في لندن عام 1851، وحملها إلى القمة الألماني أدولف أندرسن. وفي لحظة أقرب إلى الخيال العلمي، خاض رواد الفضاء السوفيات على متن مركبة "سويوز 9" أول مباراة شطرنج بين الفضاء والأرض في حزيران 1970، وانتهت ربما بشكل معبّر بالتعادل.

اليوم، يمارس الشطرنج بانتظام أكثر من 600 مليون شخص حول العالم، وتحتفل به رسمياً 178 دولة، وفق تقديرات منظمات متخصّصة. لكن ما يجعل هذه اللعبة مادة صالحة لتجاوز حدود الرياضة الذهنية هو بنيتها نفسها: رقعة محدودة، وقطع محدّدة الصلاحيات، ولاعبان فقط يقرّران المصير، بينما تبقى بقية القطع مهما بلغ حضورها أدوات تُحرَّك ولا تُقرِّر.

وهنا بالتحديد يصبح الشطرنج أكثر من استعارة عابرة حين يُسقَط على خرائط الجغرافيا السياسية في منطقتنا. فلبنان، الواقع عند تقاطع مصالح إقليمية ودولية مُتشابكة، كثيرًا ما وُصف بأنه "رقعة" لا "لاعب"، تتحرّك فوقه قرارات تُتَّخذ في عواصم أخرى، فيما يكتفي هو غالباً بموقع "البيدق" أو، في أفضل الحالات، "الحصان" الذي يتحرّك ضمن مربعات محسوبة سلفًا لا يرسمها بنفسه.

السؤال الذي يطرحه هذا اليوم العالمي، إذاً، ليس عن قواعد اللعبة، بل عن موقع لبنان فيها: هل يبقى بلداً يُحرَّك، أم يملك يومًا زمام قراره ليتحول من قطعة على الرقعة إلى يد تُمسك بها؟

وحتى ذلك الحين، يبقى السؤال الأصعب معلّقاً: متى تُقال كلمة "كش ملك" لصالح لبنان، لا عليه؟

المنشورات ذات الصلة