رأت إذاعة فرنسا الدولية (RFI) في تقرير مطول أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنام يواجه تحديات كبيرة منذ اليوم الأول لتوليه رئاسة الحكومة، في ظل اقتصاد يعاني من تداعيات الأزمات المتلاحقة، وارتفاع كلفة المعيشة، وتصاعد خطاب اليمين المتطرف، إلى جانب تراجع ثقة الناخبين بحزب العمال بعد فترة حكم سلفه كير ستارمر.
وقالت الإذاعة إن بيرنام، الذي أصبح رسميًا رئيسًا للوزراء بعد استقالة كير ستارمر، "وعد بإعادة الأمل إلى البريطانيين، لكنه يرث وضعًا اقتصاديًا معقدًا في بلد يعاني من تصاعد كراهية الأجانب"، بحسب وصف التقرير.
وأضافت أن بيرنام، الذي تولى رئاسة بلدية مانشستر الكبرى لمدة تسع سنوات ويُعرف بلقب "ملك الشمال" سيكون مطالبًا سريعًا بتشكيل حكومة قادرة على التعامل مع أكثر الملفات إلحاحًا بالنسبة للبريطانيين.
وأوضحت إذاعة فرنسا الدولية أن بيرنام ركز حتى الآن على قضايا "اللامركزية الضرورية، والرقابة العامة على الاقتصاد، والحماية الاجتماعية، وإعادة التصنيع، لكنها أشارت إلى أن هذه العناوين تحتاج إلى سياسات عملية واضحة.
ونقلت عن أستاذ القانون البريطاني أوريليان أنطوان قوله إن هذه القضايا تشكل أولويات للبريطانيين في ظل الأزمة التي تمر بها البلاد منذ أكثر من ست سنوات.
وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد البريطاني تعرض لضغوط متتالية بدأت مع جائحة كورونا بالتزامن مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ثم تفاقمت بعد الحرب الروسية الأوكرانية، التي دفعت التضخم إلى 11% في أكتوبر/تشرين الأول 2022، وهو أعلى مستوى خلال أربعين عامًا.
ورغم تراجع التضخم إلى نحو 2.8% في مايو/أيار 2026، أكدت الإذاعة أن المواطنين لا يشعرون بانخفاض الضغوط المعيشية.
واستشهد التقرير ببحث أعدته الباحثة في مجلس العموم البريطاني بريجيد فرانسيس-ديفين، جاء فيه أن "حتى وإن لم يعد التضخم مرتفعًا كما كان، فإن الأثر التراكمي لارتفاع الأسعار يعني أن الأسر تواجه تكلفة معيشة أعلى بكثير مما كانت عليه في عام 2021.
وأضاف التقرير أن أسعار الطاقة، التي ارتفعت بفعل الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب أسعار المواد الغذائية، تعد من أبرز أسباب زيادة تكاليف المعيشة، مشيرًا إلى أن متوسط تكلفة سلة المشتريات ارتفع بنحو 12 جنيهًا إسترلينيًا (نحو 16 دولارًا أمريكيًا) منذ عام 2022، وفق تقديرات مؤسسة "فود فاونديشن".
وأشار التقرير إلى أن الحكومة العمالية كانت قد تعهدت ببناء 1.5 مليون منزل خلال خمس سنوات بعد وصولها إلى السلطة في عام 2024، إلا أن تنفيذ هذا التعهد يواجه صعوبات، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
وأضاف أن الحكومة تسعى كذلك إلى رفع الإنفاق الدفاعي ليصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتطلب إنفاقًا إضافيًا يبلغ نحو 9 مليارات جنيه إسترليني سنويًا (نحو 12 مليار دولار أمريكي).
ورأى أن بيرنام سيجد نفسه أمام معضلة تتعلق بكيفية تمويل هذه الالتزامات، في وقت أخفقت فيه الحكومات السابقة في خفض الإنفاق العام، خاصة في قطاع الصحة.
صعود اليمين المتطرف
واعتبرت إذاعة فرنسا الدولية أن الضغوط الاقتصادية وفرت "أرضية خصبة لصعود خطاب الهوية اليميني المتطرف، وهو ما استفاد منه حزب "ريفورم يو كيه" بزعامة نايجل فاراج.
وأوضحت أن الحزب اليميني الشعبوي يطرح نفسه باعتباره حلًا للمشكلات الاقتصادية، ويواصل منذ سنوات تبني خطاب مناهض للهجرة.
وأشارت إلى أن الحزب حصل في الانتخابات العامة لعام 2024 على أكثر من أربعة ملايين صوت، لكنه نال خمسة مقاعد فقط بسبب النظام الانتخابي البريطاني، بينما أظهرت استطلاعات الرأي، منذ أبريل/نيسان 2025، تقدمه على جميع الأحزاب الأخرى.
وأضافت أن شبكات التواصل الاجتماعي تشهد نشاطًا واسعًا لمؤثرين قوميين يستلهمون نموذج حركة "ماغا" الأمريكية، وأن بعض التحركات المرتبطة بهم ترافقها أعمال عنف.
كما لفتت إلى أن الناشط اليميني تومي روبنسون أصبح من الشخصيات المفضلة لدى رجل الأعمال إيلون ماسك، الذي قالت الإذاعة إنه يساهم بصورة متكررة في "إذكاء نار القومية ونظريات المؤامرة في المملكة المتحدة وأماكن أخرى في أوروبا.
استعادة صورة حزب العمال
وأكد التقرير أن تهدئة التوترات الاجتماعية ستكون من أولويات بيرنام، ليس فقط للحفاظ على التماسك الوطني، وإنما أيضًا لأسباب سياسية، إذ يتعين على حزب العمال استعادة ثقة الناخبين قبل الانتخابات العامة المقبلة المقرر إجراؤها بحلول أغسطس/آب 2029.
ورأت إذاعة فرنسا الدولية أن حكومة كير ستارمر، رغم وصولها إلى السلطة بفوز كاسح، "لم تنجح في تحويل الإنجاز الانتخابي إلى نجاح في الحكم، بعدما تبنت سلسلة من الإجراءات غير الشعبية، بينها إلغاء دعم التدفئة للمتقاعدين وتشديد شروط بعض المساعدات الاجتماعية.
وبحسب الإذاعة، فإن الثقة التي منحها البريطانيون لحزب العمال في انتخابات 2024 "تبخرت، وهو ما انعكس في الانتخابات المحلية والإقليمية التي جرت في مايو/أيار 2026، حيث حقق حزب "ريفورم يو كيه" مكاسب واسعة، بينما خسر حزب العمال أكثر من نصف مقاعده في المجالس المحلية.
وأشارت أيضًا إلى أن حزب العمال يواجه ضغوطًا من يساره مع تزايد شعبية حزب الخضر.
وخلصت إلى أن بيرنام، الذي يتولى رئاسة الحكومة في ظل حالة من عدم الاستقرار السياسي المستمرة منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيكون مطالبًا بإقناع البريطانيين بقدرته على إدارة البلاد إذا أراد البقاء في منصبه، خاصة أن المملكة المتحدة شهدت تعاقب سبعة رؤساء وزراء خلال عشر سنوات.
موقع إرم نيوز
×