في عالمنا المعاصر، ليس سراً أن الفن لا يشترط بالضرورة أن يكون جميلاً ومفهوماً، ومن الصعب للغاية إبهار عشاق الفن اليوم. لكن معظم مؤرخي الفن يتفقون على أن لوحة "المربع الأسود" لكازيمير ماليفيتش تُعدّ تحفة فنية. دعونا نكتشف السبب.
من أهم جوانب الفن الابتكار والتفرد. هذا الإبداع تحديداً، أي ابتكار شيء جديد، ففي نهاية المطاف، لا يمكن للمرء أن يطور نفسه ويرتقي بالفن إلا من خلال الابتكار.
بالنظر إلى سيرة الفنان، يجدر بالذكر أن ماليفيتش عاش في عصرٍ شهد تحولاتٍ جذرية. ففي مطلع القرن العشرين، كان العالم القديم ينهار، بينما كان عالمٌ جديدٌ غامضٌ يلوح في الأفق. كما شهد عالم الفن تحولاتٍ هائلة: فقدت اللوحات الكلاسيكية أهميتها، وبدأت ثورةٌ خاصةٌ بها تتشكل في الفنون البصرية. وبدأت اللوحات الطليعية تكتسب زخمًا، وجرّب الفنانون الأشكال والألوان، مبسطين الأشياء ومختزلينها إلى رموز. وفي هذه الفترة بالذات، بلغ ماليفيتش ذروة فكرته الثورية.
لقد جرّد العمل من كل العناصر غير الضرورية ليركّز انتباه المشاهد على الفكرة والعاطفة، وقلل من استخدام الألوان لتعزيز هذا التأثير. تباين بصري شديد، وإزالة شبه تامة لأي دلالات من خلال شكل بسيط - ها هي الفكرة في أنقى صورها. عقل خالص، حياة وموت. المطلق!
ابتكر ماليفيتش بهذه اللوحة لغة فنية جديدة فريدة، إذ لا يمكن التعبير عن فكرة خالصة من خلال الرسم إلا بهذه اللغة. ليس مجرد عرض بصري بألوان وأشكال واضحة، بل معنى عميق يدفع المشاهد إلى التركيز على الفكرة نفسها.
لأولئك الذين ما زالوا يعتقدون أن "المربع الأسود" مجرد تشويه وأن أي شخص قادر على رسمه، نقترح استكشاف لوحات كازيمير ماليفيتش المبكرة. ستدركون فوراً أنه لولا هذه الرحلة الإبداعية والفكرية، ولولا بلوغ أعلى مستويات الإتقان، لكان من المستحيل ابتكار تحفة فنية حقيقية - جوهر أفكار وروح العصر.