عاجل:

هل أشعلت واشنطن سباقًا نوويًا في الشرق الأوسط؟

  • ١٠

لم يبدّد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الاتفاق النووي مع السعودية لن يمضي قبل اعتراف الرياض بإسرائيل، وأنه لا يسمح بـ"أي تخصيب للمواد"، المخاوف من الصفقة.

فبحسب معطيات الاتفاق المعلن، تبقى الطريق مفتوحة أمام السعودية لبناء قدرات تخصيب اليورانيوم، بما قد يشعل سباق انتشار نووي في الشرق الأوسط وخارجه.

وبحسب مقال لماثيو كرونيغ وهنري سوكولسكي، نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، تنفّس منتقدو الاتفاق النووي الأميركي السعودي الصعداء بعد منشور ترامب على منصة "تروث سوشال"، إلا أن المشكلات الجوهرية بقيت قائمة، وفي مقدمها أن الاتفاق، خلافًا لما أعلنه الرئيس الأميركي، يتيح التخصيب، وهو ما يستوجب، بحسب الكاتبين، تدخل الإدارة والكونغرس لتصحيحه.

ويشير المقال إلى أن تخصيب اليورانيوم يمكن استخدامه لإنتاج الوقود للمفاعلات النووية كما يمكن توظيفه في تصنيع الأسلحة النووية. ولهذا السبب، لم تُدرج واشنطن، طوال نصف قرن، تقنيات إنتاج الوقود النووي ضمن أي اتفاق نووي مدني أبرمته مع دول لا تمتلك أسلحة نووية.

وخلال العقود الأخيرة، تبعت دول كبرى موردة للتكنولوجيا النووية، بينها فرنسا وروسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية، النهج الأميركي نفسه.

ويرى الكاتبان أن على واشنطن التمسك بهذه السياسة، خصوصًا بعدما قصفت وزارة الدفاع الأميركية منشآت إنتاج الوقود النووي في إيران. ويعتبران أن منح السعودية مسارًا لبناء القدرة نفسها التي تعمل القوات الجوية الأميركية على تدميرها في إيران يمثل تناقضًا فاضحًا، من شأنه أن يعقّد مساعي الضغط على طهران لتقييد برنامجها، ويعطي في الوقت نفسه مثالًا سيئًا يشجع دولًا أخرى مصدّرة للتكنولوجيا النووية على تجاوز الضوابط.

أما الخطر الأكبر، وفق المقال، فيتمثل في التداعيات التي قد يتركها الاتفاق على الدول المجاورة للسعودية. فالمفاوضون الأميركيون وافقوا على إمكان استئناف إيران تخصيب اليورانيوم بعد فترة تجميد، فيما يمنح الاتفاق الأميركي السعودي الرياض امتيازًا مشابهًا

وكانت الولايات المتحدة قد دفعت الإمارات إلى التخلي عن إنتاج الوقود النووي، مع احتفاظ أبوظبي بحق إعادة التفاوض على اتفاقها إذا منحت واشنطن أي دولة مجاورة شروطًا أكثر سخاءً.

وإلى جانب الإمارات، يبرز كل من مصر وتركيا، اللتين تعملان على بناء محطات نووية كبيرة. وقد طلب دبلوماسيون أميركيون من البلدين التعهد بعدم إنتاج الوقود النووي، إلا أن كليهما رفض ذلك. وعليه، يحذّر الكاتبان من أن الاتفاق السعودي قد يصبّ "الكيروسين النووي" على طموحات الانتشار المتأججة أصلًا في هاتين الدولتين.

وفي المقابل، يصرّ وزير الطاقة الأميركي كريستوفر رايت على أن الاتفاق سيحافظ على "أعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار"، إلا أن المقال يعتبر أن الصفقة تمثل في الواقع مستوى جديدًا من التراجع.

فالرياض، وفق الاتفاق، ليست ملزمة بتبني نموذج التفتيش الخاص بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، والمعروف باسم "البروتوكول الإضافي"، الذي يسمح بإجراء زيارات مفاجئة وفي أي وقت وإلى أي موقع.

وقد اعتمدت 144 دولة هذا البروتوكول، فيما لا تزال السعودية ترفضه، ما يثير، بحسب المقال، مخاوف من أنها قد ترغب في إخفاء أنشطة أو منشآت معينة.

وتحاول وزارة الطاقة الأميركية طمأنة المنتقدين عبر الحديث عن وضع أي منشأة لإنتاج الوقود النووي في السعودية ضمن ما يسمى نظام "الصندوق الأسود"، بما يمنع تحويل التكنولوجيا لأغراض عسكرية.

لكن الكاتبين يصفان هذا الطرح بأنه "تفكير سحري"، مؤكدين أن مثل هذا الصندوق لم يُطوّر يومًا، ولم يُشرح للرأي العام، لأنه ببساطة غير موجود.

ويشير المقال إلى أنه لا يمكن منع السعوديين من الاقتراب من منشأة ضخمة لإنتاج الوقود النووي مقامة على الأراضي السعودية. وحتى في الحد الأدنى، فإن بناء وتشغيل منشأة تحت غطاء "الصندوق الأسود" سيجعلان من الأصعب بكثير كشف أي محاولة سعودية لإنشاء منشأة سرية، ربما بمساعدة باكستان، الحليف السعودي الذي يمتلك أسلحة نووية.

كما أن هذا النظام لن يكون قادرًا على الحماية من احتمال استيلاء السلطات السعودية، بصفتها صاحبة السيادة، على المنشأة وما تحتويه.

ورغم ذلك، يتضمن الاتفاق المعلن مخرجًا، إذ لا ينص على نقل فوري لتكنولوجيا تخصيب اليورانيوم، بل على إجراء دراسة تستمر عامين لتقييم الفكرة.

إلا أن الكاتبين يعتبران أن معرفة خطورة هذه الخطوة لا تحتاج إلى عامين، مؤكدين أن واشنطن لا ينبغي أن تكون في موقع من ينقل قدرات تصنيع القنابل النووية إلى السعودية أو إلى أي دولة أخرى.

ومن هنا، يدعو المقال ترامب، المعروف بسعيه إلى عقد أفضل الصفقات، إلى إعادة التفاوض على الاتفاق. كما يطرح خيارًا آخر يتمثل في امتناعه ببساطة عن إحالته إلى الكونغرس.

أما إذا أرسل الرئيس الاتفاق إلى المشرعين، فعلى الكونغرس، وفق الكاتبين، عقد جلسات استماع وإقرار تشريعات تربط تنفيذ الصفقة بتعديلها وتصحيح ثغراتها.

ويعمل ماثيو كرونيغ أستاذًا في الشؤون الحكومية والخدمة الخارجية في جامعة جورجتاون، وباحثًا أول في المجلس الأطلسي، وهو مؤلف كتاب "تصدير القنبلة: نقل التكنولوجيا وانتشار الأسلحة النووية".

أما هنري سوكولسكي، فهو المدير التنفيذي لمركز التثقيف بشأن سياسات منع الانتشار، ومؤلف كتاب "الصين وروسيا والحرب الباردة المقبلة"، وقد شغل منصب نائب مسؤول سياسة منع الانتشار في وزارة الدفاع الأميركية بين عامي 1989 و1993.

وفي ظلّ إرسال ترامب مزيدًا من القوات العسكرية إلى الشرق الأوسط بعد نحو أسبوعين من القصف الليلي، واستهداف الحوثيين ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر، تبدو الصفقة النووية أبعد من أن تكون اتفاقًا تقنيًا محدودًا، وأقرب إلى خطوة قد تعيد رسم ميزان الردع وتفتح الباب أمام سباق نووي يصعب إيقافه.

المنشورات ذات الصلة