عاجل:

"التيكتوكرز" في لبنان.. 15 سنة لأبرز المدانين وبراءات وإسقاط أخطر الاتهامات

  • ١٦

أسدلت محكمة الجنايات في جبل لبنان، المنعقدة في بعبدا، بتاريخ 30 تموز 2026، الستار على واحدة من أكثر القضايا التي أثارت ضجيجاً في الرأي العام اللبناني، وأصدرت حكمها في القضية المعروفة إعلامياً بقضية «التيكتوكرز»، المرتبطة باستدراج قاصرين عبر منصات التواصل الاجتماعي واستغلالهم وارتكاب أفعال جرمية بحقهم.

غير أن الحكم لم يكرّس الرواية الإعلامية التي قدّمت الملف بوصفه كتلة جرمية واحدة يقودها “رأس مدبّر”، ويتساوى فيها جميع المتهمين في المسؤولية؛ بل أعاد تفكيك القضية قضائياً، فحدّد مسؤولية كل متهم استناداً إلى الأفعال الثابتة بحقه، وأسقط أوصافاً جنائية خطرة لم تقم عليها أدلة كافية، وأعلن عدم تجريم وبراءة عدد من الأشخاص.

وتناولت المحاكمة أوصافاً جرمية متعددة، أبرزها المادة 335 من قانون العقوبات، المتعلقة بتأليف جمعية أو عقد اتفاق بقصد ارتكاب جنايات على الأشخاص أو الأموال، والمادة 507 المتعلقة بالإكراه بالعنف أو التهديد على مكابدة فعل منافٍ للحشمة أو إجرائه، فضلاً عن المادة 586 (1) وما يليها من قانون العقوبات، المضافة بموجب القانون رقم 164/2011، والمتعلقة بالاتجار بالأشخاص واستغلالهم. وهذه الأوصاف محددة في “النص الرسمي لقانون العقوبات” و”قانون معاقبة جريمة الاتجار بالأشخاص رقم 164/2011″.

الأحكام بحسب العقوبة من الأعلى إلى الأدنى

- خمس عشرة سنة: بيتر نفاع وبول أنطوان معوشي

قضت المحكمة بتجريم بيتر نفاع وبول أنطوان معوشي وإدانتهما بعدد من الجنايات والجنح، وأنزلت بكلٍّ منهما عقوبات متعددة، أبرزها الاعتقال مدة خمس عشرة سنة وغرامة مقدارها عشرة مليارات ليرة لبنانية.

وبعد إدغام العقوبات، قررت المحكمة إنفاذ العقوبة الأشد، أي الاعتقال مدة خمس عشرة سنة، مع تجريد كلٍّ منهما من حقوقه المدنية.

- عشر سنوات: حسن عبد القادر سنجر

أنزلت المحكمة بحسن عبد القادر سنجر عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة مدة عشر سنوات عن إحدى الجنايات المسندة إليه، كما حكمت عليه بعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة مدة خمس سنوات عن الجناية المنصوص عليها في المادة 638 من قانون العقوبات، المتعلقة بحالات السرقة المشددة.

ويكتسب هذا الحكم دلالة خاصة بالنظر إلى أن سنجر دخل الملف أساساً من موقع الادعاء، قبل أن تنقلب صفته القانونية خلال المحاكمة، ويتحول من مدّعٍ على الآخرين إلى متهم محكوم بعقوبات جنائية مشددة.

ست سنوات: عبدو إيلي كيسو وجورج إلياس المبيض

جرّمت المحكمة كلاً من عبدو إيلي كيسو وجورج إلياس المبيض بجناية المادة 507 من قانون العقوبات، المتعلقة بالإكراه على مكابدة فعل منافٍ للحشمة أو إجرائه، وأدانتهما بجنحة أخرى.

وبعد إدغام العقوبات، قضت المحكمة بإنفاذ عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة مدة ست سنوات بحق كلٍّ منهما، مع تجريدهما من حقوقهما المدنية.

- خمس سنوات: يحيى محمد خلف

قضت المحكمة، بعد إدغام العقوبات، بإنفاذ عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة مدة خمس سنوات بحق يحيى محمد خلف، مع تجريده من حقوقه المدنية، ومنعه من التصرف بأمواله، وطرده من الأراضي اللبنانية فور الانتهاء من تنفيذ العقوبة.

- أربع سنوات: غدير صالح غنوي

جرّمت المحكمة غدير صالح غنوي وأدانتها بعدد من الجنايات والجنح، ثم منحتها الأسباب المخففة وأدغمت العقوبات المحكوم بها، لتقضي بإنفاذ عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة مدة أربع سنوات، مع تجريدها من حقوقها المدنية.

- سنة واحدة: كريكور هايك طباجيان وخالد محمد معن مرعب

قضت المحكمة بعدم تجريم كريكور هايك طباجيان في الجنايات وعدم إدانته في سائر الجنح المسندة إليه لعدم كفاية الأدلة، وحصرت إدانته بجنحة المادة 534 من قانون العقوبات، فحكمت عليه بالحبس مدة سنة واحدة، وأمرت بإطلاق سراحه فوراً ما لم يكن موقوفاً أو محكوماً لداعٍ آخر.

واتخذت المحكمة النتيجة ذاتها بحق خالد محمد معن مرعب، إذ قضت بعدم تجريمه في الجنايات وعدم إدانته في سائر الجنح لعدم كفاية الأدلة، وأدانته حصراً بجنحة المادة 534، وحكمت عليه بالحبس مدة سنة واحدة، مع إطلاق سراحه فوراً ما لم يكن موقوفاً أو محكوماً في قضية أخرى.

المحكومون المحالون إلى مرجع الأحداث

جرّمت المحكمة كلاً من محمد خالد الجمالي، ومحمد سراج أحمد أتاتورك، ومصطفى محمد عثمان بعدد من الجنايات، وأدانتهم بعدد من الجنح، ثم قررت إحالتهم إلى المرجع القضائي المختص بالأحداث لاتخاذ الإجراء القانوني المقتضى بحق كل منهم.

عدم التجريم والبراءات الكاملة

في مقابل الإدانات، قضت المحكمة بعدم تجريم رودي السارجي في جميع الجنايات وعدم إدانته في جميع الجنح المسندة إليه، وأعلنت براءته لعدم كفاية الأدلة.

كما قضت بعدم تجريم القاصرين (م. ش.) و(ه. ط.) في الجنايات وعدم إدانتهما في الجنح، وأعلنت براءتهما وأمرت بإطلاق سراحهما فوراً، ما لم يكونا موقوفين لجرم آخر.

وأعلنت المحكمة كذلك عدم تجريم كل من روني عيد وحسين سعيد عليق وبراءتهما من الجرائم المسندة إليهما.

سقوط جنايات اغتصاب القاصرين عن المتهم الذي صُوّر “رأساً مدبّراً”

تكمن النتيجة القانونية الأبرز في أن المحكمة لم تُجرّم جورج إلياس المبيض بجنايات اغتصاب القاصرين التي أُسندت إليه، رغم أنه قُدّم في جانب واسع من التغطية الإعلامية بوصفه المتهم الأخطر و«الرأس المدبّر» للعصابة، ورُبط اسمه منذ بداية الملف بعناوين اغتصاب الأطفال، كما ظهر في بعض “التغطيات الإعلامية السابقة”.

وانتهى الحكم إلى تجريمه بالوصف المختلف المنصوص عليه في المادة 507، المتعلق بفعل منافٍ للحشمة ، لا بجناية اغتصاب الأطفال التي التصقت باسمه طوال فترة التحقيق والمحاكمة.

وهنا تقتضي الدقة القانونية التشديد على ان ذلك يعني، سقوط أخطر الجنايات التي بُنيت عليها الصورة الإعلامية التي قدّمته بوصفه «الرأس المدبّر» لشبكة اغتصاب أطفال.

وبذلك، يكون الحكم قد وجّه ضربة قضائية قاسية إلى الرواية الإعلامية المسبقة؛ فالضجيج الذي سبق المحاكمة لم يتحول كله إلى دليل، والنعوت التي أُطلقت على المتهمين عبر الشاشات ووسائل التواصل لم تصبح أوصافاً جرمية لمجرد تكرارها.

دور وكلاء الدفاع في إسقاط الأوصاف الجنائية الأشد

أظهر الحكم الأثر الجوهري للجهود القانونية التي بذلها وكلاء الدفاع، من خلال تفكيك عناصر الجرائم المدعى بها، ومناقشة الأدلة والإفادات، وإبراز التناقضات والثغرات، والتمييز بين الشبهة والدليل الصالح لبناء حكم جنائي.

وقد أسهمت هذه الدفوع في إسقاط عدد من الجنايات الخطرة، ولا سيما اتهامات اغتصاب القاصرين وبعض الأوصاف المرتبطة بالاتجار بالأشخاص وتأليف جمعية أشرار، وهي أوصاف كان من شأن ثبوتها تعريض بعض المتهمين لعقوبات قد تمتد عشرات السنوات.

ولم تنتهِ المحاكمة إلى تبرئة جماعية، كما لم تعتمد إدانة جماعية؛ بل كشفت خيوط القضية وفصلت بين المراكز القانونية، فأدانت كل من ثبتت مسؤوليته ضمن حدود الفعل المنسوب إليه، وأسقطت الجرائم التي لم يقم عليها دليل كافٍ، وأعلنت براءة من عجز الاتهام عن إثبات الجرم بحقه.

سنجر: من موقع الادعاء إلى قفص المحكومين

أما المفارقة الأكثر حدّة، فتمثلت في انقلاب المركز القانوني لحسن عبد القادر سنجر. فالشخص الذي دخل القضية من باب الادعاء على الآخرين انتهى به مسار المحاكمة محكوماً بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة عشر سنوات، فضلاً عن عقوبة خمس سنوات عن جناية المادة 638 من قانون العقوبات.

وهذا التحول ليس تفصيلاً هامشياً في الملف، بل يمثل إحدى نقاطه المفصلية؛ إذ أثبت أن صفة المدعي لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة عندما تكشف التحقيقات والمحاكمة أفعالاً جرمية مستقلة منسوبة إليه. وبذلك، تحولت القضية بالنسبة إلى سنجر من منصة اتهام للآخرين إلى حكم جنائي صادر بحقه، في صفعة قضائية واضحة قلبت موقعه في الدعوى رأساً على عقب.

التعويضات الشخصية

في الشق المدني، ألزمت المحكمة كلاً من بيتر نفاع، وبول أنطوان معوشي، وعبدو إيلي كيسو، وجورج إلياس المبيض، ويحيى محمد خلف، ومحمد خالد الجمالي، ومحمد سراج أحمد أتاتورك، ومصطفى محمد عثمان، وغدير صالح غنوي بأن يدفعوا، بالتكافل والتضامن، مبلغاً إجمالياً قدره ملياران وخمسمئة مليون ليرة لبنانية إلى المدعين محمد حجاج رضا، وحسن شعيتو، وهادي رعد، وصالح صالح، وعمار شويح، على أن يوزع المبلغ بالتساوي بينهم.

كما ضمّنت المحكمة المحكوم عليهم الرسوم والنفقات القانونية.

حكم غيابي بحق أربعة متهمين

صدر الحكم غيابياً بحق بيتر نفاع، وبول أنطوان معوشي، ورودي السارجي، وحسن عبد القادر سنجر، فيما صدر وجاهياً بحق سائر المتهمين، وذلك في بعبدا بتاريخ 30 تموز 2026.

وكيل الضحايا

وعلّق وكيل الضحايا في القضية، المحامي محمد هولو زعيتر على الأحكام الصادرة، مؤكداً ثقته بالقضاء اللبناني وبالأجهزة الأمنية التي تولّت متابعة الملف منذ بدايته، مشيراً إلى أن الأحكام جاءت متفاوتة تبعاً للتهم المنسوبة إلى كل متهم، وانسجمت مع الوقائع والأدلة والإثباتات المتوافرة، فضلاً عن مراعاة مدة التوقيف، إذ إن لكل جرم العقوبة التي يحددها القانون.

وأوضح زعيتر أن أي قانون للعفو العام، في حال إقراره، لن يشمل المحكومين في هذه القضية، نظراً إلى وجود ادعاءات شخصية بحقهم، ما يجعل الملف مرتبطاً بالحقوق الشخصية وليس بالحق العام.

كما توجّه بالشكر إلى القضاء اللبناني على ما وصفه بـ”الجهد المهني” الذي أفضى إلى إدانة المتهمين وكشف الحقيقة، مؤكداً أن الأحكام استندت إلى الأدلة والوقائع التفصيلية، رغم حملات التشكيك التي رافقت مسار القضية.

المنشورات ذات الصلة