عاجل:

في الأول من آب... الجيش اللبناني بين إرث التضحيات ومواكبة حروب المستقبل

  • ٢٤

خاص - إيست نيوز

في الأول من آب، لا يحتفل اللبنانيون بذكرى مؤسسة عسكرية فحسب، بل يستعيدون مسيرة وطن اختصرها الجيش اللبناني في ثلاث كلمات أصبحت عنواناً لرسالته: شرف، تضحية، وفاء. فمنذ تأسيسه عام 1945، لم يكن الجيش مجرد قوة عسكرية نشأت مع فجر الاستقلال، بل شكّل أحد أعمدة الدولة، ورافق لبنان في مختلف محطاته، مدافعاً عن سيادته ووحدته، وحاضراً في أصعب الظروف الأمنية والإنسانية.

على امتداد أكثر من ثمانية عقود، كتب الجيش صفحات مشرّفة من تاريخ الوطن، من الدفاع عن الحدود ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، إلى مكافحة الإرهاب في الجرود، مروراً بدوره الإنساني في إنقاذ المواطنين خلال الكوارث والأزمات، وصولاً إلى انتشاره المستمر في الجنوب لحماية الأهالي وتعزيز الاستقرار. وفي كل تلك المحطات، لم تكن تضحيات العسكريين مجرد واجب مهني، بل تعبيراً عن التزام وطني عميق جعل المؤسسة العسكرية محل ثقة اللبنانيين.

ورغم الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي انعكست على العسكريين، بقي الجيش محافظاً على انتظامه وانضباطه، واستمر أفراده في أداء واجبهم بصمت، مؤكدين أن الانتماء إلى المؤسسة العسكرية رسالة تتجاوز الصعوبات، وأن حماية الوطن تبقى أولوية لا تتغير.

واليوم، وبعد أكثر من ثمانين عاماً على تأسيسه، يواجه الجيش اللبناني تحديات جديدة فرضتها طبيعة الحروب الحديثة، التي لم تعد تقتصر على المواجهات التقليدية، بل باتت تشمل الفضاء السيبراني، والطائرات المسيّرة، والتقنيات الرقمية، والقدرات الاستخباراتية المتطورة.

وفي هذا الإطار، يعمل الجيش على تطوير قدراته التقنية بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات المستجدة، حيث تؤكد استراتيجية الجيش اللبناني للأعوام 2022-2027 أن تحديث القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية يشكل إحدى أولويات المؤسسة، من خلال تعزيز أنظمة القيادة والسيطرة، وتطوير وسائل جمع المعلومات والاستطلاع، ورفع مستوى الأمن السيبراني لحماية شبكات الاتصالات العسكرية والبيانات الحساسة.

كما فرضت التطورات العسكرية الأخيرة واقعاً جديداً، بعدما أصبحت الطائرات المسيّرة من أبرز أدوات المعارك الحديثة، سواء في عمليات الاستطلاع أو الاستهداف، ما دفع الجيش إلى تكثيف التدريب على كشفها ومراقبة المجال الجوي باستخدام رادارات وأنظمة استشعار متطورة، بدعم من شركائه الدوليين.

وفي المجال الاستخباراتي، تعمل المؤسسة على دمج تقنيات التحليل الرقمي للصور والبيانات الواردة من الطائرات المسيّرة والكاميرات الحرارية وأجهزة الاستشعار، بما يسرّع عملية اتخاذ القرار الميداني، ويرفع كفاءة مراقبة الحدود البرية والبحرية.

أما على صعيد الأمن السيبراني، فيواصل الجيش توسيع برامجه المتخصصة لحماية شبكاته وأنظمته من الهجمات الإلكترونية، مع الاستثمار في إعداد كوادر مؤهلة قادرة على مواجهة التحديات الرقمية المتزايدة.

ورغم التحديات المالية التي تواجه عملية التحديث، يواصل الجيش اللبناني مساره نحو بناء مؤسسة أكثر مرونة واعتماداً على التكنولوجيا، بما يعزز قدرته على حماية الأمن الوطني والاستجابة لمتطلبات الحروب الحديثة.

وفي عيده الحادي والثمانين، يبقى الجيش اللبناني أكثر من مؤسسة عسكرية؛ فهو رمز لوحدة الدولة، وعنوان للثقة الوطنية، وحارس للسيادة والاستقرار. وبين إرثٍ طويل من التضحيات ورؤيةٍ تتطلع إلى المستقبل، يواصل حمل رسالته في الدفاع عن لبنان، مؤكداً أن قوة المؤسسة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من عتاد، بل بما تختزنه من إرادة، وانضباط، وإيمان راسخ بأن الوطن يستحق أن يُحمى.

المنشورات ذات الصلة