في بلدٍ تبدّلت فيه كل الألوان، وتغيّرت فيه كل العناوين، وسقطت فيه عناوين كثيرة كانت تُعتبر يوماً من الثوابت، بقي زيّ واحد على حاله منذ واحدٍ وثمانين عامًا: بزّة الشرف والتضحية والوفاء. لم تتزحزح، ولم تتغيّر، ولم تساوم على هُويتها، فيما كل ما حولها كان يتبدّل ويتراجع ويهتزّ.
في الأول من آب، يحتفل لبنان بعيد جيشه الحادي والثمانين، لا بوصفه مناسبة بروتوكولية تُختصر بخطابات واستعراضات، بل بوصفه تذكيرًا سنويًا بأن هناك في هذا البلد مؤسّسة واحدة ما زالت تشبه فكرة الدولة، في زمن باتت فيه الدولة نفسها فكرة يُعاد التفاوض عليها كل يوم.
مؤسسة نجت من كل شيء
مرّ الجيش اللبناني، منذ تأسيسه عام 1945 وحتى اليوم، بحرب أهلية مزّقت البلد، وبانهيار اقتصادي غير مسبوق أكل رواتب جنوده وضباطه حتى بات كثير منهم يعملون بلا أجر يُذكر، ومرّ بمحطات إقليمية متلاحقة كادت أن تجرّ لبنان إلى أتون لا قرار له. ومع ذلك، بقي هذا الجيش قائمًا، ومتماسكاً، رافضًا أن ينقسم على نفسه كما انقسم كل شيء حوله.
هذه ليست مبالغة إنشائية، بل حقيقة يعرفها كل من راقب المشهد اللبناني عن قرب: في بلدٍ تحوّلت فيه الطوائف إلى معسكرات، والمناطق إلى جزر منعزلة، ظل الجيش المساحة النادرة التي يلتقي فيها اللبنانيون تحت راية واحدة، لا تفرّقهم فيها انتماءاتهم بقدر ما يجمعهم فيها زيّهم الموحّد.
الجندي الذي لا يُرى
فالجيش حامي أرضنا وعرضنا، وضمانة بقائنا في وجه كل الأخطار المُحدقة بنا. خلف كل بيان عسكري مقتضب، وخلف كل عملية أمنية تُختصر بسطور، يقف جندي مجهول لم يُخترْ اسمه ليكون بطلًا، لكنه أصبح كذلك رغمًا عنه. جندي يقف على حاجز في برد الشمال أو حرّ الجنوب، يحمي طريقًا قد لا يعرف اسمه أحد، ويؤمّن أماناً بات كثيرون يظنّونه أمرًا مفروغًا منه، فيما هو في الحقيقة إنجاز يومي يُصنع بصبرٍ وتضحية لا تنالان ما تستحقّانه من التقدير.
هذا الجندي هو من دفع لبنان بدمه، لا بشعاراته، ثمن الاستقرار الذي ينعم به من ينعم به. هو من يقف اليوم على الحدود الجنوبية، وسط توتّرات لا تهدأ، محاولًا أن يحفظ لبلده مساحة من السيادة وسط إقليم مشتعل. وهو، في النهاية، من يذكّرنا بأن الوطن ليس فكرة مجرّدة، بل رجالاً ونساءً يرتدون بزّة الشرف والتضحية والوفاء، ويقفون حيث لا يقف أحد.
في ظلّ التحديات الكبيرة التي تمرّ بها البلاد، تبقى هذه المؤسّسة الوحيدة التي تحمي كل أبنائها بلا استثناء. فألف تحيّة لكل جنديّ ورتيب وضابط: أنتم فخرنا وعزّتنا وكرامتنا... نُقبّل جباهكم. ولا يسعنا إلا أن نقف إجلالًا أمام كل شهيدٍ من هذه المؤسسة العسكرية، روى بدمائه أرض وطننا، دفاعًا عن كل شبرٍ من الـ 10,452 كلم² التي تختصر معنى لبنان.
عيد لا يُشبه الأعياد الأخرى
عيد الجيش ليس كباقي الأعياد الوطنية التي قد تمرّ مرور الكرام. إنه استراحة سنوية نتوقف فيها لنعيد طرح سؤال طالما تهرّبنا من الإجابة عنه بصراحة: ماذا تبقّى لنا كلبنانيين لنفتخر به معاً؟ والجواب، بعد واحد وثمانين عاماً ورغم كل الجراح، يبقى واحدًا: هذا الجيش.
فحين ينهار كل شيء، حين تتعثّر الحكومات وتتصارع الأحزاب وتتقاتل الروايات، يبقى الجيش نقطة الثبات الوحيدة التي لا يختلف عليها اثنان من اللبنانيين. ليس لأنه معصوم عن الخطأ أو بمنأى عن النقد، بل لأنه، ببساطة، ما زال يفعل ما يُفترض بمؤسسات الدولة أن تفعله: يقف، ويخدم، ويصمد.
رسالة إلى بزّة الشرف
في هذا الأول من آب، في العيد الحادي والثمانين، لا تكفي كلمات الشكر المعتادة. المطلوب أكثر: أن يُعاد الاعتبار لهذه المؤسّسة، ماديًا ومعنويًا، وأن يُنصف جنودها الذين حملوا لبنان على أكتافهم في أحلك سنواته. فالجيش لا يحتاج إلى تصفيق سنوي بقدر ما يحتاج إلى دولة تستحقّ التضحيات التي يقدّمها له رجاله كل يوم.
فلتبقَ بزّة الشرف والتضحية والوفاء لوناً لا يتبدّل، ولتبقَ هذه المؤسّسة، بعد واحد وثمانين عامًا وحتى ما بعدها، الدليل الأخير على أن لبنان، مهما تعثّر، ما زال قادراً على أن يقف.