لن يقتنع اللبنانيون بأن الحساب قد اكتمل إذا انتهى المشهد عند حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة وحده في قفص الاتهام، بينما يبقى كل من شارك في صناعة الانهيار، أو استفاد منه، أو تستّر عليه، بمنأى عن أي مساءلة.
رياض سلامة، في وجدان اللبنانيين والرأي العام، مدان سياسيًا وأخلاقيًا وشعبيًا، بعدما ارتبط اسمه بواحدة من أكبر الكوارث المالية التي شهدها لبنان. والعدالة مطالبة بأن تأخذ مجراها بحقّه، وأن ينال العقاب الذي يستحقّه وفقاً للقانون، لكن العدالة الحقيقية لا تتوقف عند شخص واحد، ولا يجوز أن تنتهي عنده، لأن ما جرى لم يكن نتيجة قرارات فردية، بل ثمرة منظومة كاملة شاركت وتواطأت واستفادت.
فأي منطق يمكن أن يُقنعنا بأن أكثر من مئة مليار دولار من مدخّرات اللبنانيين تبخّرت بقرار رجل واحد؟ هل كان حاكم مصرف لبنان يتصرف بمعزل عن الدولة بكل مؤسًساتها؟
أين كانت الحكومات المتعاقبة طوال سنوات الانهيار؟ أين كان رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا على سدة الرئاسة؟ أين كان رؤساء الحكومات؟ أين كان وزراء المالية الذين تعاقبوا على إدارة المال العام؟ أين كانت مجالس إدارات المصارف وكبار المصرفيين؟ أين كانت الهيئات الرقابية المولجة حماية أموال الناس؟ وأين كانت لجان المال والموازنة النيابية وسائر النواب الذين كان يُفترض أن يراقبوا ويحاسبوا؟ وأين كان أولئك الذين وصفوا يوماً القطاع المصرفي اللبناني بأنه "الأكثر متانة في المنطقة"، فيما كانت أموال المودعين تتبخر أمام أعينهم؟
اختزال أكبر جريمة مالية في تاريخ لبنان باسم واحد ليس عدالة، بل تضليل للرأي العام. فالقضية ليست شخصًا، بل منظومة سياسية ومالية ومصرفية كاملة اتخذت قرارات، وشرّعت سياسات، ونفّذت هندسات مالية معقدة، وأدارت مليارات الدولارات من أموال اللبنانيين، ومنحت قروضًا مدعومة استفاد منها نافذون، وأطلقت منصات مالية مثيرة للجدل، ووزعت أرباحًا ومكافآت طائلة، فيما كان المودعون يُحرمون من أبسط حقوقهم في الوصول إلى أموالهم.
إذا كانت العدالة صادقة فعلاً، فعليها أن تبدأ من حيث بدأ الانهيار، لا من حيث يصبح الاكتفاء بمتهم واحد أقل كلفة سياسية. المطلوب فتح جميع الملفّات بلا استثناء، وكشف كل الحسابات بلا مُحاباة، وإخضاع مصرف لبنان والمصارف التجارية لتدقيق جنائي شامل وحقيقي، يطال كل تحويل مالي مشبوه، وكل ربح استثنائي، وكل قرار اتُّخذ خلال سنوات الانهيار. فلا حصانة لرئيس جمهورية سابق أو حالي، ولا لرئيس حكومة، ولا لوزير مالية، ولا لنائب، ولا لمصرفي، ولا لأي مسؤول أو نافذ شارك أو تواطأ أو سهّل أو غطّى أو استفاد من سرقة أموال المودعين. فالمُحاسبة يجب أن تطال الجميع، ومن تثبت مسؤوليته يجب أن يمثل أمام القضاء وأن يُساق إلى السجن، أياً يكن موقعه أو نفوذه.
فالشعب اللبناني لم يخسر أمواله فحسب، بل خسر سنوات من عمره، وخسر ثقته بدولته ومؤسّساتها، وخسر مستقبل أبنائه الذين اضطروا للهجرة بحثًا عن وطن يحترم تعبهم وكرامتهم.
لهذا، فإن العدالة الحقيقية ليست صورة متهم واحد يُعرض أمام الكاميرات، بل كشف الحقيقة كاملة، غير منقوصة ولا مُجتزأة، ومُحاسبة كل من شارك في هذه الجريمة الوطنية، من أي موقع كان. ومن يظن أن اللبنانيين سيقتنعون بأن كل ما جرى كان نتيجة قرارات شخص واحد، فهو لا يدرك حجم الكارثة التي أصابت الوطن.
سيكتب التاريخ يومًا أن إحدى أكبر الجرائم المالية في المنطقة لم تقتصر على سرقة مدخّرات المودعين، بل امتدت أيضًا إلى محاولات اختزال الحقيقة باسم واحد، فيما بقي شركاء كثر بعيدين عن المُحاسبة.
نحن لا نقبل بهذا السيناريو. لا نقبل بعدالة مُنحازة، ولا بتدقيق مجتزأ، ولا بمحاسبة تطال شخصاً واحداً فيما يفلت الآخرون من العقاب. نريد الحقيقة كاملة، ونريد أن يمثل أمام القضاء كل من شارك أو تواطأ أو استفاد أو غطّى هذه الجريمة، لأن الأموال التي سُرقت لم يسرقها فرد واحد، والانهيار لم يصنعه فرد واحد، وبالتالي لا يجوز أن يتحمّل مسؤوليته وحده.
هذه ليست قضية رياض سلامة فقط، بل قضية وطن بأكمله. قضية كل مودع حُرم من تعب عمره، وكل شاب اضطر إلى الهجرة، وكل عائلة فقدت الأمان بسبب سياسات وقرارات وخيارات شارك فيها مسؤولون وسياسيون ومصرفيون على مدى سنوات طويلة.
ويبقى الأمل بأن يكون القضاء اللبناني، بما فيه من قضاة شرفاء ونزيهين، على قدر حجم هذه الجريمة التاريخية، وأن يثبت أن لا أحد فوق القانون، وأن العدالة لا تُجزّأ ولا تُفصَّل على قياس الأشخاص. فالمطلوب اليوم ليس مُحاسبة رياض سلامة وحده، بل إحضار جميع شركائه، وكل من تواطأ وشارك وسهّل وسكت واستفاد من سرقة أموال المودعين، إلى قاعات المحاكم، وصولًا إلى السجن حيث يفرض القانون ذلك. عندها فقط يمكن للبنانيين أن يشعروا بأن العدالة بدأت تأخذ مجراها، وأن الحقيقة لم تعد رهينة المصالح والاعتبارات السياسية.