عاجل:

الدولة ترسم المعادلة... وقاسم يقرأ من دفاتر الماضي

  • ٢٥

ليس جديدًا أن يختلف "حزب الله" مع السلطة السياسية، ولا أن يوجّه انتقادات حادة إلى رئيس الجمهورية أو الحكومة. الجديد هو الإصرار على مخاطبة الدولة بمنطق الوصاية، وكأن القرار الوطني لا يزال يحتاج إلى ختم موافقة الحزب قبل أن يصبح نافذًا.

في خطابه الأخير، لم يكتفِ الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم بتسجيل موقف سياسي، بل بدا وكأنه يرسم للدولة حدود حركتها، ويحدّد لها أولوياتها، ويفتي لها بمكان انتشار الجيش اللبناني، ويوزع شهادات الوطنية والسيادة على مؤسساتها. وهذا بحد ذاته يكشف أن الحزب لم يقرأ بعد حجم التحول الذي شهده لبنان، ولم يدرك أن قواعد اللعبة السياسية لم تعد كما كانت.

والمفارقة الأكثر دلالة على هذا المنطق، أن الشيخ نعيم قاسم لا يزال يتصرف وكأن قنوات التفاوض والاتصال يمكن أن تبقى مفتوحة خارج مؤسسات الدولة اللبنانية، فيما يفترض أن يكون قد انتهى الزمن الذي كانت فيه الأحزاب أو القوى السياسية تدير ملفات سيادية بمعزل عن المرجعية الدستورية. فالمسألة لا تتعلق بهوية الطرف الآخر، ولا بالرئيس السوري أحمد الشرع أو بسوريا الجديدة التي دخلت مرحلة مختلفة، بل بالمبدأ الذي يفترض أن يحكم العلاقة بين الدول: الدولة اللبنانية وحدها هي صاحبة قرار التفاوض، وهي الجهة الوحيدة المخولة إدارة أي حوار أو تفاوض أو تنسيق في القضايا الوطنية والسيادية.

أما القوى السياسية، بما فيها "حزب الله"، فإن مكانها الطبيعي للتعبير عن مواقفها هو داخل المؤسسات الدستورية. فللحزب وزراء يمثلونه في مجلس الوزراء، وله نواب تحت قبة البرلمان، كما أن حليفه ورئيس مجلس النواب نبيه بري يشكل المرجعية الدستورية والسياسية التي تتيح له طرح آرائه ومناقشة خياراته ضمن الأطر الشرعية. أما أن تُدار الملفات الوطنية الحساسة عبر قنوات موازية أو مبادرات حزبية مستقلة، فذلك منطق تجاوزته الدولة اللبنانية، ولم يعد ينسجم مع مرحلة عنوانها استعادة المؤسسات لدورها الكامل، وتكريس احتكار الدولة وحدها تمثيل لبنان والتحدّث باسمه والتفاوض نيابة عنه.

فالجيش اللبناني لا ينتشر حيث يسمح له أي حزب، بل حيث تقرّر الدولة اللبنانية. والسيادة ليست مفهومًا انتقائيًا يُستخدم لتبرير بقاء السلاح خارج الشرعية، بل هي منظومة متكاملة تبدأ باحتكار الدولة وحدها قرار الحرب والسلم، وتمتد إلى احتكارها السلطة الأمنية والعسكرية على كامل الأراضي اللبنانية، من دون استثناء أو مناطق نفوذ.

من هنا، اكتسب الرد الرسمي أهمية استثنائية. فموقف رئيس الحكومة نواف سلام، وما تلاه من تأكيد صادر عن رئاسة الجمهورية على أن الجيش ينتشر على كامل الأراضي اللبنانية وفق مُقتضيات المصلحة الوطنية، لم يكن مجرّد رد على خطاب سياسي، بل إعلانًا واضحًا بأن زمن تحديد صلاحيات الدولة من خارج مؤسّساتها يجب أن ينتهي.

لقد تغيّر لبنان، كما تغيّرت المنطقة من حوله. فالمعادلات التي فرضت نفسها خلال سنوات الانقسام والحروب والأزمات لم تعد قادرة على إنتاج المشهد نفسه. والدولة، التي دفعت أثمانًا باهظة نتيجة ازدواجية القرار، تبدو اليوم أكثر تمسكًا باستعادة دورها الطبيعي، وأكثر اقتناعًا بأن أي مشروع لإنقاذ البلاد يبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية، لا بإعادة إنتاج موازين قوى أثبتت التجربة أنها أضعفت الدولة بدل أن تحميها.

ولعل أكثر ما يلفت في خطاب "الحزب" أنه لا يزال يتحدّث بلغة الماضي، في وقت تتحرك فيه الدولة بمنطق مختلف. فبينما يسعى الحزب إلى تثبيت معادلات تجاوزتها التطوّرات، تتجه السلطة إلى تكريس مفهوم الدولة المرجعية الوحيدة في كل ما يتصل بالسيادة والأمن والدفاع. وهذه ليست مواجهة سياسية مع طرف لبناني بقدر ما هي محاولة لإعادة تصويب الخلل الذي رافق الحياة الوطنية لعقود.

قد لا يكون الانتقال إلى هذه المرحلة سهلًا أو سريعًا، ولن يخلو من تجاذبات وضغوط داخلية وخارجية. إلا أن الاتجاه العام بات أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: لا شريك للدولة في قرارها السيادي، ولا مرجعية تعلو على مؤسساتها الدستورية، ولا مكان بعد اليوم لمنطق الجزر الأمنية أو السلطات الموازية.

لبنان يقف أمام فرصة نادرة لإعادة بناء مفهوم الدولة الذي تآكل بفعل الانقسامات والحروب وتعدد مراكز القرار. وهذه الفرصة لن تكتمل إلا عندما يصبح الاحتكام إلى المؤسسات قاعدة ثابتة لا استثناءً، وعندما يدرك الجميع، مهما بلغت قوتهم أو حجمهم، أن الشرعية لا تُستمد من فائض القوة، بل من الدستور، وأن هيبة الدولة لا تُقاس بخطابات السياسيين، بل بقدرتها على فرض سلطتها على كامل أراضيها بلا شريك ولا وصي.

في نهاية المطاف، ليست القضية في ما يقوله "حزب الله" أو يرفضه، بل في قدرة الدولة على المضي في خيارها حتى النهاية. فالدول تُبنى حين يكون القرار واحدًا، والمرجعية واحدة، والسلاح واحدًا، والتفاوض واحدًا، والتمثيل الخارجي واحدًا، تحت سقف المؤسسات الدستورية وحدها. وما عدا ذلك ليس سوى استمرار للأزمة، مهما تبدلت العناوين أو تغيّرت الوجوه.

المنشورات ذات الصلة