حيدر صبي - العراق
تستعد مدينة ديربورن في ولاية ميشيغن، ذات الحضور العربي والمسلم الواسع، ليوم متوتر مع إعلان الناشط اليميني المتطرف جايك لانغ، بمشاركة القس لورنزو سيويل، تنظيم تحرك تحت عنوان «المسيرة الصليبية المسيحية» (Christian Crusader March)، يستهدف ما يصفه منظموه بـ«أسلمة أميركا».
ودفعت الدعوة سلطات ديربورن إلى نقل اجتماع مجلس المدينة المقرر في 18 أغسطس/آب إلى مكتبة هنري فورد المئوية، مع تعزيز الإجراءات الأمنية، فيما دعا رئيس الشرطة عيسى شاهين السكان إلى عدم التوجه لمواجهة المتظاهرين أو الاشتباك معهم، محذرًا من أن مجموعات من خارج المدينة قد تأتي بهدف الاستفزاز وجذب الاهتمام الإعلامي. وأكد أن الشرطة ستكون منتشرة بكثافة لحماية السكان والمشاركين على حد سواء.
لكن التحرك المرتقب ليس حادثة منفصلة، وإنما يأتي بعد سلسلة من المواجهات التي جعلت ديربورن هدفًا متكررًا للناشط لانغ، الذي سبق أن نظم احتجاجات معادية للمسلمين في المدينة، وأصبح معروفًا باستخدام الرموز الدينية والاستفزازية لإثارة ردود فعل من المجتمع المحلي وتصويرها ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتعود أحدث فصول الأزمة إلى الثاني من أغسطس/آب، عندما ظهر لانغ خلال فعالية الأربعين في ديربورن، قبل أن يتعرض لاعتداء جسدي ومطاردة. وألقت الشرطة القبض على ثلاثة أشخاص على خلفية الحادث، بينهم العراقي عباس عبدوش، البالغ 57 عامًا.
عبدوش هو أكثر عناصر القضية حساسية. فقد دخل الولايات المتحدة بصورة قانونية عام 1992، لكنه فقد وضعه القانوني بعد إدانته عام 1999 بجريمة قتل من الدرجة الثانية، وقضى أكثر من 15 عامًا في السجن. وصدر بحقه لاحقًا أمر بالترحيل، لكنه بقي في الولايات المتحدة. وبعد توقيفه في ديربورن على خلفية الاعتداء على لانغ، أُفرج عنه بكفالة، قبل أن تتدخل سلطات الهجرة والجمارك الأميركية، المعروفة اختصارًا بـICE، وتعتقله في الخامس من أغسطس/آب. وتقول التقارير إنه لا يزال محتجزًا في ميشيغن بانتظار استكمال الإجراءات القانونية.
وهكذا وجدت قضية الاعتداء على لانغ طريقها سريعًا إلى ملف الهجرة الأميركي..ناشط يميني يتبنى خطابًا شديد العداء للهجرة والإسلام، يتعرض للاعتداء خلال فعالية شيعية، ثم يتبين أن أحد المتهمين عراقي وله إدانة جنائية سابقة وأمر ترحيل.
لكن ديربورن كانت تحمل قبل حادثة لانغ قصة أخرى أكثر عمقًا: قصة التحول الديموغرافي والسياسي والثقافي للمدينة.
فبيانات التعداد الأميركي لعام 2020 أظهرت أن 54.5 في المئة من سكان ديربورن أبلغوا عن أصول من الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا، ما جعل السكان من هذه الخلفيات كتلة سكانية رئيسية في المدينة. غير أن التعداد الأميركي لا يسأل السكان عن ديانتهم، ولذلك لا يمكن تحويل هذه النسبة تلقائيًا إلى نسبة للمسلمين.
أما الحضور الشيعي تحديدًا، فقد ظهر بصورة لافتة في مواكب الأربعين التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكبر الفعاليات الشيعية في الولايات المتحدة. وفي عام 2025، أعلن مركز كربلاء الإسلامي التعليمي أن موكب الأربعين في ديربورن استقطب نحو 40 ألف مشارك، وهو رقم وصفه المركز بأنه الأكبر في تاريخ الموكب.
ولعل المفارقة الأبرز في المشهد أن ديربورن، التي تجمع تحت سمائها مسلمين من السنة والشيعة، قد تجد نفسها أمام خصم لا يميز بين المذهبين. فخطاب لانغ لا يخاطب الشيعة بوصفهم شيعة، ولا السنة بوصفهم سنة، وإنما يضعهما معًا تحت عنوان «المسلمين». وهكذا قد يتحول الرجل، من حيث لا يقصد، إلى عقدة تصل بين خيطين مذهبيين ظلّا متباعدين في بلدان المنشأ؛ إذ يجد الطرفان نفسيهما أمام خصم مشترك، فتتراجع لبعض الوقت أسئلة المذهب أمام سؤال أوسع: كيف يحمي المسلمون وجودهم وهويتهم في أميركا؟
وهذا المشهد الديني الكبير لا يعني، في حد ذاته، وجود مشروع سياسي أو أمني؛ فموكب الأربعين فعالية دينية سلمية. لكنه يكشف حجم التحول الذي طرأ على المدينة، ويشرح في الوقت نفسه لماذا أصبحت ديربورن نقطة جذب للصراعات المتعلقة بالهجرة والهوية والدين والسياسة الأميركية.
ومن هنا تتجاوز القضية شخصية جايك لانغ نفسه.
فالرجل ليس مجرد متظاهر ظهر فجأة في ديربورن. فقد خاض منذ عام 2025 سلسلة من التحركات الاستفزازية ضد المسلمين، وانتقل بين ديربورن ومينيابوليس ونيويورك وغيرها، مستخدمًا خطابًا عن «أسلمة أميركا» و«استبدال» السكان البيض، وفق توثيق منظمات ومؤسسات تتابع خطاب التطرف. كما أن القس لورنزو سيويل، الذي ظهر إلى جانب لانغ في الدعوة للتحرك الحالي، سبق أن أدى صلاة في حفل تنصيب الرئيس دونالد ترامب الثاني، وأعلن في مقابلات لاحقة مواقف سياسية صريحة بشأن دور المسيحية في الحياة العامة.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز لانغ:
هل يمثل هذا التحرك مجرد نشاط فردي لمستفز يميني، أم أنه جزء من تيار سياسي أوسع يريد تحويل قضية ديربورن إلى ملف وطني عن الهجرة والإسلام والهوية الأميركية؟
لا توجد، حتى الآن، أدلة موثوقة تثبت وجود خطة من البيت الأبيض أو الكونغرس لتهجير المسلمين من ديربورن، أو لاستهداف الشيعة تحديدًا بالترحيل الجماعي. كما لا توجد أدلة منشورة تثبت أن لانغ يتحرك بتوجيه مباشر من مسؤولين جمهوريين.
لكن وجود هذا السؤال لا يعني تجاهله.
فالسياسة الأميركية الحالية تشهد أصلًا تشددًا كبيرًا في ملف الهجرة والترحيل، فيما أصبحت ديربورن واحدة من أكثر المدن الأميركية التي تستقطب النقاش حول الإسلام والهجرة والتغير الديموغرافي. وفي هذا السياق، يمكن لحادثة فردية ــ مثل الاعتداء على لانغ ــ أن تتحول إلى مادة سياسية تتجاوز حدودها المحلية.
وهذا ما يجعل توقيت الأحداث لافتًا: موكب شيعي ضخم، ثم اعتداء على ناشط يميني خلال فعالية دينية، ثم توقيف أحد المعتدين من قبل ICE، ثم عودة لانغ إلى المدينة تحت شعار «مسيرة صليبية» مع رفع مستوى الاستنفار الأمني.
وفي المقابل، تحاول شرطة ديربورن قطع الطريق على السيناريو الذي قد يحول الاحتجاج إلى صدام؛ إذ يقول رئيس الشرطة إن أفضل طريقة للتعامل مع الجماعات القادمة من خارج المدينة هي عدم منحها المواجهة التي تبحث عنها.
وبينما تستعد ديربورن لاستقبال يوم جديد من الاحتجاجات والاحتجاجات المضادة، تبقى القضية أكبر من لانغ وعبدوش، وأكبر حتى من المدينة نفسها.
إنها تختبر سؤالًا أميركيًا آخذًا في الاتساع:
هل تستطيع الولايات المتحدة استيعاب تحول مدنها ديموغرافيًا ودينيًا وسياسيًا من دون أن يتحول هذا التحول إلى معركة على هوية الدولة؟
وفي ديربورن تحديدًا، يبدو أن المعركة لم تعد تدور فقط حول ما يقوله جايك لانغ أمام الكاميرا، وإنما حول ما إذا كان ظهوره المتكرر سيبقى مجرد ظاهرة هامشية، أم يتحول إلى ورقة في صراع سياسي أوسع حول المسلمين والعرب والشيعة والهجرة ومستقبل أميركا نفسها.