عاجل:

"الأرض المحروقة".. كيف تعزل إسرائيل بلدة "المنصوري" عن الجيش اللبناني؟

  • ٣٠

يكشف استمرار القصف المدفعي والغارات الجوية الإسرائيلية العنيفة التي تستهدف بلدة المنصوري الحدودية ومحيطها في قضاء صور، عن استراتيجية عسكرية ممنهجة تهدف بشكل مباشر إلى عرقلة بسط سيادة الدولة اللبنانية، ومنع تثبيت دخول وحدات الجيش اللبناني إلى عمق القرى الجنوبية.

ويأتي هذا التصعيد لتعطيل محاولات المؤسسة العسكرية فتح الطرق، وإزالة الركام، وإعادة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة لتأمين عودة الأهالي، كجزء من مسعى إسرائيلي لفرض أمر واقع ميداني يسبق أي صياغة نهائية للترتيبات الأمنية الجارية.

وتؤكد مصادر أمنية لبنانية رفيعة المستوى لـ"إرم نيوز"، أن الاستهداف الأخير الذي طال جرافة تابعة للجيش اللبناني في بلدة المنصوري، وأسفر عن إصابة أحد العسكريين بجروح، لم يكن عرضيًا أو خطأً ميدانيًا. 

وأوضحت المصادر أن الطيران المسيّر الإسرائيلي تعمد إلقاء قنابل صوتية تلاها قصف مباشر بمحيط الآلية أثناء قيامها بفتح الطرق الحيوية التي أغلقتها الغارات السابقة، بهدف إجبار الفرق الهندسية والعسكرية على التراجع.

وبحسب المصادر ذاتها، فإن وحدات الجيش كانت قد دخلت البلدة لمباشرة تنظيف الشوارع وتسهيل عودة العائلات النازحة التي غادرت إثر إنذارات الإخلاء الإسرائيلية.

وترى المصادر أن تل أبيب تسعى جاهدة لتحويل المنصوري ومحيطها الجغرافي الممتد إلى "منطقة رمادية خطرة" يُمنع على الدولة اللبنانية التواجد فيها بشكل مستقر.

"الأرض المحروقة"

ويرى الخبراء أن السلوك الإسرائيلي يتجاوز مجرد الرد الموضعي على أحداث ميدانية، مثل إصابة أو مقتل جنود إسرائيليين، بل يرتبط بأجندة أوسع.

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي، جبران سليم الدُرّة، إن القصف المركز على بلدة المنصوري يمثل رغبة إسرائيلية واضحة في تعطيل الانتشار التدريجي للجيش اللبناني، والذي نصت عليه التفاهمات الأولية في إطار (المناطق التجريبية).

ويؤكّد الدُرّة، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن إسرائيل تحاول عبر خطة النار فرض مساحة عازلة بعمق يصل إلى 10 كيلومترات، وخلق جدار من (الأرض المحروقة) يمنع أي بيئة مدنية من التشكل مجددًا.

ويشير إلى أن استهداف الجيش اللبناني هو رسالة سياسية وعسكرية مزدوجة، مفادها أن تل أبيب لن تسمح للبنان بفرض سيادته الهندسية أو العسكرية في هذه البقعة، طالما لم تحصل إسرائيل على تنازلات كاملة في المفاوضات.

من جانبه، يقول المحلل السياسي، لطيف أبو السبع، إن هناك سباقًا محمومًا بين الميدان والدبلوماسية، مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية تدرك أن الجولة السابعة من المفاوضات في روما، برعاية أمريكية، تبحث تفاصيل دقيقة حول آليات التحقق والانسحاب التدريجي.

لذلك، فإن تكثيف الغارات على المنصوري، وتدمير المنازل، واستهداف منشآت ومحطات المياه في مناطق مثل شقرا وعيتا الجبل، هو محاولة للضغط على المفاوض اللبناني لتقديم تنازلات أمنية إضافية، وفق الدُرّة.

ويؤكد الدُرّة، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن إسرائيل تريد فرض شروط المراقبة المباشرة والتحكم بمسارات الطرق الحدودية قبل أي انسحاب، مستغلة الثغرات الميدانية لإثبات عدم قدرة الجيش اللبناني على ضبط المنطقة بمفرده. 

وتمتلك بلدة المنصوري موقعًا جيواستراتيجيًا حساسًا؛ فهي تمثل نقطة ارتكاز تشرف جغرافيًا وناريًا على مساحات واسعة في القطاع الغربي للجنوب، وتربط الساحل بالبلدات الداخلية المتقدمة كـ (مجدل زون، والبياضة، وشمع).

وتفيد تقارير ميدانية بأن القوات الإسرائيلية تخشى من أن تثبيت الجيش اللبناني لنقاطه وحواجزه في المنصوري سيمنح الدولة اللبنانية قدرة على رصد وتوثيق الخروقات البرية والجوية المستمرة، ويقطع الطريق على عمليات التوغل والتمشيط التي ينفذها الجيش الإسرائيلي تحت ذرائع تفتيش المباني المفخخة أو تعقب الجيوب العسكرية.

وهكذا تستمر إسرائيل في اتباع سياسة حافة الهاوية عبر تصعيد عملياتها العسكرية ضد البلدات اللبنانية .

ويبقى التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية هو مدى قدرة المؤسسة العسكرية، المدعومة بغطاء سياسي داخلي ودبلوماسي دولي، على الصمود في وجه هذه الضربات، وتثبيت حضورها السيادي في المنصوري وباقي قرى الحافة الحدودية.

المنشورات ذات الصلة