عاجل:

هل استُهدف المدعي العام بسبب الملفات التي فتحها؟

  • ٣٣


ما نشرته جريدة "الأخبار" تحت عنوان "المدعي العام على سفرة مشتبه به" يطرح، قبل أي شيء، سؤالاً عن حدود العمل الصحافي حين يتحول نقل الوقائع إلى إيحاءات توحي بالإدانة من دون عرض دليل قضائي يثبت ارتكاب أي مخالفة. 

من حق أي وسيلة إعلامية أن تنتقد، وأن تسأل، وأن تفتح الملفات، وأن تمارس دورها الرقابي. لكن ليس من حقها أن تتحول إلى محكمة تصدر الأحكام على الأشخاص قبل القضاء، أو أن تجعل من مناسبة اجتماعية، بحد ذاتها، قرينة على وجود علاقة غير مشروعة.

فإذا كان شخص ما قد أوقف أو خضع للملاحقة في ملف قضائي، فإن ذلك لا يعني، حكماً، أنه مذنب. وكذلك فإن حضور مسؤول أو قاضٍ مناسبة اجتماعية في منزل شخص سبق أن خضع للملاحقة على سبيل الافتراض!؟ لا يشكل، بحد ذاته، دليلاً على ارتكاب أي جرم أو مخالفة. فالادعاء ليس إدانة، والتوقيف ليس حكماً، والملاحقة ليست دليلاً على ثبوت الجرم.

وهنا لا بد من التذكير بأن قرينة البراءة ليست امتيازاً يمنح لشخص ويحجب عن آخر، بل هي قاعدة قانونية وأخلاقية يجب أن تنطبق على الجميع، بمن فيهم السياسيون والقضاة ورجال الأعمال والصحافيون والمؤسسات الإعلامية.

وليس خافياً أن جريدة "الأخبار" دأبت، في أكثر من مناسبة، على اعتماد خطاب سيء اللهجة في مهاجمة مسؤولين وشخصيات عامة، وهو أمر يدخل في إطار حقها في التعبير والنقد. لكن السؤال المشروع هو: لماذا هذا التركيز على النائب العام التمييزي في هذا التوقيت تحديداً؟

هل القضية فعلاً هي مأدبة غداء؟ أم أن وراء هذا الهجوم أسباباً أخرى تتصل بالملفات التي باشر القضاء بفتحها ومتابعتها، ولا سيما الملفات المرتبطة بالفساد، وتبييض الأموال، والتهريب، والجرائم المالية، وسرقة أموال المودعين وحقوقهم؟ وملف انفجار المرفأ !؟ وملفات ذات صله بالحاكم السابق لمصرف لبنان !؟

إذا كانت هناك مخالفات أو تجاوزات، فلتُقدَّم الأدلة، وليُفتح التحقيق، وليأخذ القضاء مجراه. أما إطلاق الإيحاءات والأحكام المسبقة، فلا يخدم لا الحقيقة ولا القضاء ولا الصحافة.

ثم إن تطبيق القاعدة يجب أن يكون متساوياً على الجميع؛ بمعنى انه كم مرة جرى الادعاء على "الأخبار" أو على أشخاص مرتبطين بها؟ وهل يعني مجرد الادعاء أنها أصبحت مدانة؟ بالطبع لا. فالصحيفة، كما أي شخص أو مؤسسة، تستفيد من قرينة البراءة إلى أن يصدر بحقها أو بحق أي شخص حكم قضائي يثبت المسؤولية.

ومن هنا تبدو المفارقة واضحة؛ لا يجوز أن نطالب باحترام قرينة البراءة عندما يتعلق الأمر بنا، ثم نتجاهلها عندما يتعلق الأمر بخصومنا أو بمن نختلف معهم سياسياً.

إن هيبة القضاء لا تُحمى بمنع النقد، كما أنها لا تُصان بتوزيع الاتهامات عبر العناوين. هيبة القضاء تُصان باستقلاله، وبالاحتكام إلى القانون، وباحترام التحقيقات والأدلة والأحكام القضائية.

وإذا كان الهجوم على النائب العام التمييزي مرتبطاً فعلاً بالملفات التي باشر بها، فإن الأجدى من استهداف شخصه هو مناقشة هذه الملفات بالوقائع والأدلة، لأن مكافحة الفساد وحماية أموال المودعين وملاحقة الجرائم المالية ليست قضايا شخصية، بل قضايا وطنية وقضائية تعني اللبنانيين جميعاً.

المنشورات ذات الصلة