عقدت "مبادرة سياسات الغد" و"الجمعيّة اللبنانية لحقوق المكلفين" و"المفكرة القانونيّة"، في مكتب المفكرة في بدارو، مؤتمرًا صحافيًا بعنوان "مسوّدة مشروع موازنة 2027: إصلاح أم متلازمة الإخفاق"، وذلك لعرض أبرز الملاحظات على مسوّدة قانون الموازنة العامة لسنة 2027 الجاري درسها في الحكومة.
وأصدرت المنظمات بيانًا تلاه المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية، وجاء فيه:
"إن أخطر ما تضمّنه مشروع الموازنة يندرج تحت ثلاثة عناوين: أوّلًا: في المخالفات والمشكلات العابرة للموازنة وثانيًا: في الإيرادات والمواد الضريبية وثالثًا: في الإنفاق العام.
تحت العنوان الأوّل الذي وقعت عليها أيضًا "كلّنا إرادة"، هناك مسألة إحالة وزارة المالية للمشروع من دون قطع حساب وهو ما من شأنه أن يسمح بالتّشكيك في المنهجيّة المُعتمدة من الحكومة في تحديد أرقام الإيرادات والنفقات وأن يُجرّدها من الشفافية. الحكومة تعرض موازنة متوازنة بقيمة 6.91 مليارات دولار، بعدما أخرجت من حسابها الدين العامّ المتعثّر وخدمته وكامل المتأخرات والتزامات الدولة. هذه ليست موازنة بلا هي عجز، بل موازنة تخفي العجز والدين خارج جداولها. وان المادة 62 تسمح لإدارات المرافئ بحسم نفقاتها التشغيلية قبل تحويل الإيرادات إلى الخزينة، وتجعل التحويل شهريًا بدلًا من مرتين أسبوعيًا، ما سيسمح بمضاعفة الإنفاق تحت غطاء "النفقات التشغيلية" من دون اتّباع أصول المحاسبة العمومية. وبعد تجربة الانهيار، لا تشدد الحكومة الرقابة، بل تعيد فتح القنوات التي سمحت بتحويل النفقات التشغيلية إلى مزراب للهدر والمحاصصة.
وتحت عنوان الإيرادات والمواد الضريبية، فإن الحكومة لم تعجز عن فرض الضرائب على الثروة والريع، بل اختارت الجيب الأسهل: المستهلك والأجير والمؤسسة الملتزمة. فالإيرادات الضريبية ارتفعت بنحو مليار دولار، من 4.94 مليارات إلى 5.94 مليارات. لكن الضرائب على الاستهلاك تشكل 78.5% منها، وتؤمّن الزيادة في رسوم المحروقات والضريبة على القيمة المضافة وحدهما 552.4 مليون دولار، أي 55.2% من كامل الزيادة الضريبية. (...) وترتفع ضريبة الرواتب والأجور بنسبة 66%، مقابل 22% لضريبة الأرباح، فيما تنخفض ضرائب الثروة بنحو 23.1 مليون دولار وتتراجع حصتها من 9.2% إلى 7.3%. كما ان الحكومة التي رفعت الضريبة على البنزين خفّضتها على الريع العقاري. وبهذا الخيار، تحدد بوضوح من تريد تحميله كلفة الأزمة ومن تريد حمايته منها. كذلك، إن إعفاء المادة 17 غير المصرّحين عن إيراداتهم المالية في الخارج من الغرامات، وخفض المادة 44 لغرامات التحقق والتحصيل بنسبة 85%، أمر يجعل التهرّب خيارًا عقلانيًا حيث يمتنع المكلف عن التصريح والدفع اليوم، ثم ينتظر موازنة جديدة تخفض غراماته غدًا. أما من التزم وسدد في موعده، فلا يحصل إلّا على حقه في مشاهدة المخالف يُكافأ. وحين تتكرر التسويات، لا تعود استثناءً، بل تصبح نظامًا للعفو الضريبي يضرب المساواة ويعاقب الملتزم. ان مشروع الموازنة يقدّم دولة قوية على المكلف الظاهر، وضعيفة أمام الدخل المخفي، حيث تمنح المادة 43 الحكومة ووزير المالية صلاحيات فضفاضة لوقف معاملات بعض المكلّفين، من دون تحديد جسامة المخالفة أو ضمان التناسب والاعتراض. وفي المقابل، يبقى قسم كبير من المداخيل المرتفعة والأنشطة غير النظامية خارج الرقابة الفعلية.
أما تحت العنوان الثالث: في الإنفاق العام، تذهب 834.9 مليون دولار، أي 97.1% من زيادة الإنفاق، إلى النفقات الجارية. وتستحوذ النفقات المرتبطة بالعاملين في القطاع العام على 91.7% من كامل الزيادة، فترتفع حصتها من الموازنة من 61.2% إلى 65.%"، ليعلّق "تصحيح الأجور ضرورة، لكن المشروع يبني الزيادة على بدلات قابلة للسحب، لا على تصحيح مستدام لأساس الراتب. وعلى صعيد إعادة الإعمار، ان المشروع لا يحدد سوى نحو 50.8 مليون دولار بوضوح لإعادة الإعمار والطوارئ، مقابل أضرار بمليارات الدولارات، ولا ينشر عدد المتضررين أو حاجاتهم أو قيمة التعويضات أو مستوى التغطية".
ضاهر
وأشار رئيس الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين (ALDIC) كريم ضاهر الى أنّ "الحكومة تخالف مصلحة الشعب والدستور عبر إعداد موازنات بغياب قطع الحساب منذ أكثر من عقدين"، طارحا عدداً من الأسئلة حول "التدابير التي اتخذتها الحكومة في هذه الموازنة والتي سميت بالتدابير الإصلاحية"، وسائلا "ما الجدوى من خفض الغرامات التي أصبحت موضة في لبنان". وطالب ب"الكشف ما إذا تحسنت الجباية في الأعوام التي تم فيها خفض الغرامات، وتاليًا الكشف عن الأرقام عندما تم تشديد العقوبات وفرض غرامات".
وسأل ضاهر "ماذا ننتظر كي نفعّل نظام تبادل المعلومات لغايات ضريبية مع دول خارجية CRS، والذي يحتاج إلى استكمال إجراءات إدارية وتقنية ونظام مكننة في وزارة المالية لا تتعدى كلفتها حوالي 300 ألف دولار، ومن ثم تُستكمل الإجراءات مع المنتدى العالمي للشفافية، من دون الحاجة إلى زيادة عديد موظفي وزارة المالية"، مؤكداً أن "بإمكان هذا النظام أن يدخل أموال الى الخزينة تساوي كل ضريبة الدخل على الأرباح المرصودة في هذه الموازنة، ولكن للأسف هناك مصالح سياسية تمنع ذلك، والمشكلة في لبنان ليست فقط طائفية أو سياسية إنما وجود كارتيلات ولوبيات مالية ومصالح تتعدّى الموضوع السياسي".
عطالله
واعتبر المدير المؤسس لمبادرة سياسات الغد سامي عطالله أنّ "مشروع الموازنة أُعدّ داخل ثلاثة قيود. فالقيد النقديّ يجعل الدولة تجبي أموالًا لا تستطيع إنفاقها كاملةً، ويجمّد الفائض الناتج لدى المصرف المركزيّ. أمّا قيد الإيرادات والنفقات، فيرمّم أجور القطاع العامّ، إلى حدّ كبير من خلال البدلات بدلًا من الرواتب الأساسيّة، بتمويل من ضرائب ترفع أسعار السلع والخدمات التي يفترض بهذه الأجور تغطيتها، فيما لا يعود إلى الأسر، في صورة خدمات، إلّا القليل ممّا تجبيه الدولة. وأمّا القيد السياسيّ–العسكريّ، فيضع على عاتق الدولة التزامات سياديّةً من دون أن يتيح لها الوسائل اللازمة للوفاء بها، في حين تقرّر أطراف خارجيّة ما إذا كان تمويل إعادة الإعمار سيجري، ومتى، وكيف".
وأشار عطالله الى أنه "لا يزال أمام الحكومة وقت لتصحيح بعض أبرز أوجه القصور في مشروع الموازنة. فينبغي على الحكومة إلغاء الإعفاءات غير المبرّرة من ضريبة القيمة المضافة على الذهب والمجوهرات والمعادن الثمينة والمراهنات واليانصيب. فموازنة ترفع الضرائب على المحروقات والاستهلاك والأجور لا يمكن أن تستمرّ في حماية أنشطة مرتبطة بالثروة والإنفاق الاختياريّ. وينبغي كذلك تجاوز الإجراء المحدود المتعلّق بالامتثال عبر الصندوق الوطنيّ للضمان الاجتماعيّ، من خلال ربط سجلّات الضرائب والجمارك والشركات والعقارات والضمان الاجتماعيّ وتراخيص مزاولة المهن، بما في ذلك تراخيص المهن الحرّة والتراخيص الصادرة عن النقابات المهنيّة. فالدولة تمتلك أصلًا قدرًا كبيرًا من المعلومات اللازمة لكشف الأنشطة غير المصرّح عنها أو التي لا تُستوفى منها ضرائب كافية، لكنّ مؤسّساتها لا تستخدم هذه المعلومات بصورة مترابطة".
وعليه، طالبت المنظمات الموقعة الحكومة ب"عدم إحالة المشروع قبل تقديم قطع حساب عام 2025 ونتائج تنفيذ موازنة 2026، ونشر الدين والمتأخرات وتوزيع بعدم الإيرادات والنفقات بحسب العملة". كما طالبت الحكومة ب"حذف أو تعديل المواد 19 و36 و42 و43 و44 و48 و62، وإلغاء التخفيضات غير المبررة على الريوع والغرامات، ومنع تحميل المستهلك ضريبة الشركات الرقمية، واستعادة الرقابة على إيرادات المرافئ والقروض، وإلغاء الإعفاءات غير المبررة عن الذهب والمجوهرات والمعادن الثمينة والمراهنات، ونشر كلفة جميع الإعفاءات والفئات المستفيدة منها، وإقرار مسار ملزم للضريبة الموحدة والتصاعدية على الدخل، وتطبيق تبادل المعلومات المالية، وربط السجلات، وإخضاع القطاعات الاقتصادية الكبيرة غير النظامية للضرائب والضمان والرقابة، والقيام بإجراءات جدّية لمحاربة التهرّب الضريبي وبالتحديد كبار المتهرّبين ضريبيًا، والتراجع عن الإعفاءات أو التخفيضات في الغرامات التي يُفترض أن تردع هذا التهرب. كما وتطبيق المادة 11 من القانون 64/2017 المتعلّقة بمعالجة الإشغال غير القانوني للأملاك العامة البحرية وإعادة توجيه الإنفاق إلى برنامج أمان والإعاقة والمدارس الرسمية والمستشفيات العامة والرعاية الأولية والبنية التحتية، وربط تصحيح الأجور بخطة للقوى العاملة وتصحيح مستدام لأساس الراتب.