عاجل:

الرحلة إلى الجهل

  • ١٧

بقلم: حيدر صبي

في علاقتنا بالذكاء الاصطناعي، تبدو المفارقة فادحة، نستهلك المعرفة التي ينتجها الآخرون، وننبهر بقدراتها، ثم نخلط بين استعمالها وامتلاكها، وبين الحصول على الإجابة والقدرة على إنتاج السؤال. نضغط على زرّ، فتأتينا خلاصة قرون من البحث والتجريب، فنشعر أننا دخلنا المستقبل، فيما نحن لم نغادر مقاعد المتفرجين.

"ليست أخطر الهزائم أن يتأخر الإنسان عن عصره، بل أن يظن أنه يواكبه لمجرد أنه يستخدم أدواته".

نحن، في جانب واسع من واقعنا العربي، أشبه ببقرٍ في مرعى تجترّ العشب ولا تعرف من زرعه، ولا كيف نبت، ولا من امتلك الأرض التي ترعى فيها. نستهلك ثمار العقول الأخرى، ونختلف على قشورها، ثم نتباهى بوفرة ما استهلكناه، كأن الحضارة تُقاس بما نأكله لا بما ننتجه.

وعلّة هذا الاجترار ليست نقص العقول بقدر ما هي خلل البيئة التي تُنتجها، لا تعليمٌ يكافئ الحفظ، ولا ثقافةٌ تُعلي شأن الناقل على المبتكر، ولا مؤسساتٌ تمنح التجربة والخطأ ما يستحقانه من مساحة. لقد تعلّمنا كيف نستعيد ما أنتجه الآخرون، ولم نتعلم بالقدر الكافي كيف نتجاوزهم. وهكذا تحوّلنا من شركاء محتملين في صناعة المعرفة إلى مستهلكين ينتظرون وصولها من الخارج.

الأخطر من هذا، أن يتحول الذكاء الاصطناعي في وعينا إلى دين أرضي جديد، له عرّابوه ونصوصه المقدسة ومريدوه، تُستقبل إجاباته بالتسليم، وتُعامل مخرجاته كأنها حقائق منزّهة عن الخطأ. ننسى أن هذه الأنظمة تصنعها مؤسسات بشرية تحكمها مصالح اقتصادية وتنافسات استراتيجية، وأن الإجابة الواثقة قد تكون خاطئة، وأن الآلة التي توسّع أفق المعرفة تستطيع، حين نسيء استخدامها، أن توسّع مساحة الوهم بقدر ما توسّع مساحة المعرفة.

لكن مَن المسؤول عن هذه الطاعة؟ ليست الآلة وحدها، إنما العقل الذي تنازل لها عن حق الشك، والمجتمع الذي ضيّق مساحة السؤال، والمؤسسات التي تكافئ الامتثال أكثر مما تكافئ الابتكار. فيستقر التخلف لمّا يصبح المألوف أكثر أماناً من الاكتشاف، والتقليد أقل كلفة من التجربة، واستهلاك الأفكار أسهل من دفع أثمان إنتاجها.

لقد أصبحنا، في أحوال كثيرة، نأكل أكثر مما ننتج، ونستورد أكثر مما نبتكر، ونستهلك الإجابات أكثر مما نصنع المعرفة. ليست المشكلة أن نستعين بعقول الآخرين، فالمعرفة الإنسانية تراكمٌ مشترك، وإنما المشكلة أن نبقى مستهلكين دائمين، عاجزين عن الإضافة والمنافسة.

الرحلة إلى الجهل لا تبدأ حين نجهل الذكاء الاصطناعي، بل حين نستخدمه من دون أن نفهمه، ونثق به من دون أن نختبره، ونستعين به كي يعفينا من التفكير، ونستقر على ذلك دون أن نطوره ونبتكر خوارزميات تطيح بما سبقه، كما تفعل شركات التكنولوجيا المتقدمة في الدول الرائدة بهذا المجال.

نعم، نحن نسير إلى الجهل كلما شهد مجال الثورة الاصطناعية نمواً وتطوراً كبيراً، بينما نحن تزداد شراهتنا للركون إلى استخداماته والاستفادة منه، دون أن نبني مراكز أبحاث ودراسات تضع الاستراتيجيات القادرة على فتح الثغرات داخل خوارزمية الذكاء لتطويره بمبتكر فذ ينافس ما هو مطروح في عالمنا الأثيري.

"إن أخطر ما قد يفعله الذكاء الاصطناعي بعقلٍ راكد، ليس أن يتفوق عليه، قدر أن يمنحه وهماً مريحاً بأنه لم يعد بحاجة إلى النهوض".

المنشورات ذات الصلة