عاجل:

كيف تراجعت منظمة "الأيباك"؟ وهل يمكن إصلاحها؟

  • ٢٤

كتب إريك ألترمان في New York Times

لقد قطعت النائبة نانسي بيلوسي، في ديسمبر 2018، عهدا أمام جمهور غالبيته من اليهود قائلة: "لو انهار مبنى الكابيتول الأميركي تمامًا، فإن الشيء الوحيد الذي سيظلّ قائمًا هو التزامنا بتقديم المساعدة - بل إنني لا أسميها مساعدة، بل تعاونا - مع إسرائيل؛ فهذا أمر جوهري". ويبدو أن هذا الالتزام قد تزعزع في منتصف شهر يوليو، حين صوتت بيلوسي - إلى جانب أكثر من مائة من زملائها - لصالح خفض المساعدات الأمريكية للدولة اليهودية.

لقد كان الدعم غير المشروط لإسرائيل أمرًا شائعًا في الكونغرس، تماما كشيوع دبوس العلم الذي يضعه أعضاء مجلس الشيوخ على ستراتهم، وذلك بفضل الجهود المشتركة التي بذلتها "لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية" (أيباك) عبر الحزبين.

أما اليوم، وفي أعقاب الحرب الدامية التي شنّتها إسرائيل على غزة ردًا على هجمات حماس الوحشية في 7 أكتوبر 2023، فقد أصبحت إسرائيل أقرب إلى دولة منبوذة على المستويين العالمي والمحلي. وفي هذا السياق، صرح حاكم ولاية كاليفورنيا، غافن نيوسوم، لبرنامج "بي بي إس نيوز" (PBS News) في سبتمبر الماضي - متحدثا عن ممارسات إسرائيل في غزة ولبنان والضفة الغربية - بأن "إدانة ما يفعله بيبي نتنياهو تكاد تكون شاملة" داخل الحزب الديمقراطي. وعلاوة على ذلك، أشار نيوسوم إلى أن الحزب يبدي في الآونة الأخيرة "معارضة قوية للغاية" لفكرة قبول أموال من منظمة "أيباك".

لقد ولى زمن القوة والنفوذ السياسي الذي لا يُضاهى للجنة الشؤون العامّة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)؛ إذ بات "الرفض" ربما هو الموقف الأكثر شيوعًا الذي تثيره هذه المجموعة لدى الحزبين الرئيسيين. ففي سباق انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي بولاية ميشيغان، أفادت تقارير بأن حلفاء المرشح الجمهوري مايك روجرز طلبوا من "أيباك" عدم الإعلان لصالحه.

وكانت "أيباك" والمجموعات التابعة لها قد استثمرت ما يقرب من 30 مليون دولار في حملات إعلانية خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الصيف، وذلك لدعم النائبة هيلي ستيفنز في مسعاها لنيل ترشيح الحزب لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان. وخلال ذلك السباق، تفاخر منافسها الدكتور عبد السيد قائلاً: "لقد وصفتني أيباك بأنني المرشح الأخطر على الإطلاق في هذا السباق". وبالطبع، كان الفوز من نصيب الدكتور عبد السيد.

وعلى الرغم من التحول الجذري في نظرة العالم للعميل الوحيد الذي تخدمه منظمة "أيباك" (AIPAC)، وتزايد تهميشها في المشهد السياسي الأميركي، فإن المجموعة لم تكتفِ بعدم الاعتراف بهذا التغير، بل إنها تواصل عملها وكأن إسرائيل لا تزال تحظى بنفس مستوى التأييد الشعبي الذي كانت تتمتع به عام 1991؛ حينها، كانت الدولة اليهودية تحظى بآراء إيجابية لدى ما يقرب من 80% من الأميركيين.

وفقًا لاستطلاع أجرته شبكة "إن بي سي نيوز" (NBC News) عام 2026، فإن 32% فقط من الناخبين الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة إيجابية، في حين تنخفض هذه النسبة إلى 13% فقط بين الديمقراطيين.

علاوة على ذلك، فقدت إسرائيل تأييد قطاع واسع من اليهود الأميركيين؛ فوفقا لاستطلاع أجرته صحيفة "واشنطن بوست" عام 2025، صرّح 61% من اليهود الأميركيين بأنهم يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، بينما رأى نحو 40% منهم أنها ارتكبت إبادة جماعية.

كما أظهر استطلاع حديث آخر أن ما يقرب من نصف اليهود الأميركيين الذين تقل أعمارهم عن 35 عامًا يؤمنون بضرورة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال إقامة دولة واحدة ثنائية القومية؛ وهي فكرة كانت تُعد هامشية منذ أن دعا إليها الأكاديمي الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد عام 1999.

لقد بات دعم إسرائيل عبئا ثقيلا يثقل كاهل السياسيين الديمقراطيين، ومصدرا لصراع داخلي عميق لدى اليهود الأميركيين الساعين إلى الموازنة بين صهيونيتهم وليبراليتهم. والواقع أن عديدًا من اليهود الذين لا يزالون يحددون هُويتهم من خلال دعمهم لإسرائيل، هم اليوم -على الأرجح- بصدد حساب تكاليف دور رعاية المسنين ومجمعات المتقاعدين؛ في حين أن اليهود الأصغر سنًا -شأنهم شأن معظم الشباب الأميركيين من مختلف الأديان والأعراق- باتوا يعبرون بشكل متزايد عن آراء سلبية تجاه الدولة اليهودية.

على الأيباك العودة إلى جذورها

يجب على "أيباك" العودة إلى التثقيف، لا الترهيب السياسي؛ إذ أن مجموعة الضغط القوية تلك اتخذت قرارا كارثيا بانخراطها كطرف فاعل في السياسات الداخلية للحزب، غير أنه لم يفت الأوان بعد لتغيير المسار.

لقد اتّخذ قادة الأيباك، موري أميتاي وتوم داين وغيرهم، منذ 40 عاما، سياسة تعزيز العلاقات الأمريكية الإسرائيلية من خلال كسب العقول والقلوب. وفعلوا ذلك من خلال العمل بصبر على توعية القادة الصاعدين بالمصالح الاستراتيجية المتبادلة، ولم يقوموا بذلك من خلال شراء الدعم بالأموال.

واتضح اليوم أن أسلوب التمويل المضلل لم يعد مجديًا. ولذلك قد تكون الرقابة الصريحة هي الحل البديل؛ إذ لعبت مجموعة الرصد "Track AIPAC" دوراً محورياً في توعية الناخبين الديمقراطيين بشأن إنفاق "الأموال المظلمة" من قِبَل اللوبي المؤيد لإسرائيل. وفي 10 فبراير، علّقت منصة "إنستغرام" حساب "Track AIPAC" -الذي كان يضم آنذاك 137 ألف متابع- بدعوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية (وهو الإجراء الذي تم التراجع عنه لاحقا بعد أن احتجت المجموعة بشدة). وتشهد منصة "تيك توك" أيضا حالات مماثلة من الرقابة.

لابد من الإقرار بأن منظمة "أيباك" (AIPAC) قد تلقت ضربة موجعة، لكنها لا تزال قادرة على إلحاق الضرر، كما أنها لا تزال تتمتع بثقل كبير في واشنطن. ولهذا السبب، فإن ساحة المعركة التي ستشهد هزيمتها النهائية لن تقتصر على الكونغرس، بل ستمتد لتشمل الثقافة العامة؛ فالناخبون الذين يدركون حقيقة ممارسات "أيباك" يرفضون هذه المجموعة الضاغطة. ويكمن السؤال الآن فيما إذا كانت "أيباك" قادرة على إبقاء عدد كافٍ من الناخبين في حالة من الجهل بتلك الحقائق، بما يتيح لها مواصلة الصراع.

المنشورات ذات الصلة