كتب مروان الشدياق:
منذ عقود، يُطرح في لبنان مشروع إنشاء مجلس الشيوخ كجزء من الإصلاحات الدستورية، إلا أن هذا الطرح بقي حبيس الأدراج وسط تجاذبات سياسية لا تنتهي. اليوم، يعود الحديث عن مجلس الشيوخ إلى الواجهة في سياق النقاشات حول تعديل النظام السياسي، فهل يشكل هذا الطرح خطوة نحو تعزيز التوازن الوطني أم أنه مجرد ورقة تُستخدم في بازار التسويات السياسية؟
نص دستوري مع وقف التنفيذ
ينص اتفاق الطائف، الذي أُقر عام 1989، على إنشاء مجلس للشيوخ يكون مناطاً به البت في القضايا المصيرية، على أن يُلغى في المقابل التقسيم الطائفي لمجلس النواب. ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق، لا يزال هذا البند غير مُنفذ، ما يعكس التعقيدات السياسية والطائفية التي تحكم النظام اللبناني.
المطالبة بهذا المجلس، التي لطالما كانت الأبرز في صفوف “الحزب التقدمي الاشتراكي”، تجد اليوم صداها في شخص رئيسه السابق وليد جنبلاط ونجله النائب تيمور جنبلاط، وكذلك في مواقف نواب الحزب مثل وائل أبو فاعور الذي طرح الموضوع خلال مناقشة البيان الوزاري، وأيضا النائب هادي أبو الحسن الذي أعاد التأكيد على هذه المطالبة خلال جلسة اللجان النيابية المشتركة.
في هذا السياق، أشار أمين السر العام للحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر عبر “نداء الوطن” إلى أن الحزب كان قد طرح مطالبات متعددة على مر السنوات لإنشاء مجلس الشيوخ، بالتوازي مع إلغاء الطائفية السياسية. وأضاف ناصر: “إذا نظرنا إلى خطاب القسم لرئيس الجمهورية، نجد أنه يدعو إلى استكمال تطبيق اتفاق الطائف، وهو يشمل بنوداً لم يتم تنفيذها بعد، من بينها إنشاء مجلس الشيوخ”. وأكد ناصر أن مطلب الحزب ليس مرتبطاً بوجود استحقاقات انتخابية في الأفق، بل هو جزء من المسار الطبيعي لتطبيق اتفاق الطائف.
تأثير مجلس الشيوخ على الطائفية السياسية
ولدى سؤاله عن مدى قدرة لبنان على التخلص من الطائفية السياسية، في ظل التركيبة الطائفية المعقدة للبلد، أكد ناصر أن “الحديث عن إلغاء الطائفية السياسية يحتاج إلى وقت طويل، خاصة مع الوضع الحالي الذي يعيشه اللبنانيون من تنوع طائفي ومذهبي. ولكن تطبيق اتفاق الطائف هو خطوة أساسية في هذا الاتجاه”. وأضاف ناصر أن مجلس الشيوخ يمكن أن يكون وسيلة لحماية الطوائف والمذاهب اللبنانية وضمان تمثيلها في القضايا الكبرى التي تهم الوطن، لكنه في الوقت نفسه يعزز دور الطوائف في الحياة السياسية.
هل سيحسّن مجلس الشيوخ الوضع؟
في ما يتعلق بتأثير مجلس الشيوخ على المشاكل السياسية والاجتماعية في لبنان، شدد ناصر على أن “مجلس الشيوخ سيكون ضمانة للمكونات اللبنانية، خاصة في القضايا الاستراتيجية والوطنية، حيث يعزز حضورها في القرار السياسي بعيداً من الطائفية السياسية”. وأضاف أن هذا المجلس يمكن أن يساعد في إعادة النظر في التقسيم الإداري وإلغاء بعض العيوب التي تشوب النظام السياسي اللبناني القائم على الطائفية.
هل هو تكريس للطائفية؟
وعمّا إذا كانت المطالبة بمجلس الشيوخ هي تكريس للطائفية السياسية، أكد ناصر أن “هذا النقاش ليس جديداً. الطائفية السياسية موجودة منذ زمن طويل في لبنان، والمطلوب هو إصلاح النظام السياسي بحيث يتم تجاوز الطائفية في الممارسات اليومية، وليس فقط في تشكيل مجلس الشيوخ”. وأضاف: “إذا تم تطبيق قانون انتخابي غير طائفي، فإن ذلك سيحرر الحياة السياسية من الطائفية، بينما سيبقى مجلس الشيوخ لتمثيل الطوائف في القضايا الوطنية”.
المواقف القانونية
من جهته، رأى رئيس مجلس شورى الدولة السابق القاضي شكري صادر أن إعادة المطالبة بمجلس الشيوخ تأتي في وقت حساس، مع اقتراب الانتخابات النيابية والبلدية. وقال صادر: “المطالبة بمجلس الشيوخ تأتي ضمن إطار دستوري واضح في اتفاق الطائف. لكن المشكلة تكمن في التطبيق العملي لهذا المجلس، خصوصاً في ظل الوضع الطائفي المعقد الذي نعيشه”. وأكد أن مجلس الشيوخ يجب أن يمثل العائلات الروحية في لبنان، وهو بمثابة ضمانة للطوائف لضمان تمثيلها في القضايا الوطنية الكبرى.
وأضاف صادر عبر “نداء الوطن” أنه “في ظل التشنجات الطائفية الحالية في لبنان، من الصعب تنفيذ مشروع مجلس الشيوخ، خاصة إذا كان ذلك سيؤدي إلى تعزيز الطائفية السياسية بدلاً من معالجتها”. وأشار إلى أن الوقت ليس مناسباً حالياً للبحث في هذه المواضيع، خاصة في ظل الظروف السياسية المعقدة التي تمر بها البلاد.
في النهاية، تبقى المطالبة بإعادة تشكيل مجلس الشيوخ في لبنان موضوعاً مثاراً للجدل، بين من يراه خطوة ضرورية لاستكمال تطبيق اتفاق الطائف وبين من يخشى أن يكون هذا المجلس مجرد أداة لتعزيز الطائفية السياسية. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبقى السؤال مطروحاً: هل سيشهد لبنان يوماً ما تغييراً جذرياً في نظامه السياسي؟ وهل سيكون مجلس الشيوخ أحد الحلول، أم أن الطائفية ستبقى المسيطرة على المشهد السياسي؟