عاجل:

لبنان على عتبة «الاستنزاف»... فهل من يتجنبها؟

  • ٣٥

كتب جورج شاهين:

أجمعت التقارير الديبلوماسية الواردة من أكثر العواصم المؤثرة في الساحة اللبنانية على التحذير من دخول لبنان مرحلة من الاستنزاف الأمني وانعكاساته على مستويات مختلفة، وذلك نتيجة التطوّرات الأخيرة التي عكستها الاعتداءات الإسرائيلية والتبرير الغربي والأميركي الذي حظِيَت به على خلفية التفسيرات المتناقضة لمضمون تفاهم وقف الأعمال العدائية بين «حزب الله» وإسرائيل. وهو ما يُهدّد بفرملة الدعم الدولي للبنان إن بات في موقع المقصّر. ومهما تعدّدت القراءات، هناك من المؤشرات ما يكفي لرفع نسبة المخاوف ممّا هو منتظر. وهذه بعض الدلائل.

ممّا لا شك فيه أنّ الفشل في تغيير الموقف الأميركي من بعض التطوّرات الأخيرة، ولا سيما منها الاعتداءات الإسرائيلية، والذي تجلّى في أكثر من خطوة وموقف. وهو ما أدّى إلى عقبات التي على المسؤولين اللبنانيِّين مواجهتها بكثير من الجهد الديبلوماسي المطلوب في ظل فقدان أي وسيلة ناجعة أخرى. ولكن إن بقِيَت المواقف الداخلية على ما هي عليه، وخصوصاً على مستوى «الثنائي الشيعي» فإنّها تنحو إلى الأسوأ، إن لم يُقرّر بعد التعاطي بإيجابية مع التهديدات الخارجية وتعقيداتها. فإلى المواقف «الجامدة» للأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم وتهديده باللجوء إلى «خيارات أخرى لا تنسجم مع الوضع الحالي». وذلك نتيجة تحميله الدولة مسؤوليات يُدرك سلفاً أنّها ليست مؤهّلة لمواجهتها في الوقت الراهن بعد الحرب المنهكة التي اقتيدت إليها البلاد ونتائجها الكارثية. وهو أمر زاد من القراءة الملتبسة لمواقفه تجاه الأحداث اليومية التي تحتمل كثيراً من العناصر السلبية في شكلها ومضمونها ونتائجها.

وإلى هذه القراءة وما تحمله ممّا يزيد في الطين بلّة، فوجئ البعض بالازدواجية التي نضحت من خطابات المرجعيات الروحية الشيعية في عيد الفطر السعيد، التي ترجمها التمايز الكبير بين خطابَي نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب الهادئ والمتزن الداعي إلى «التمسك بإقامة الدولة العادلة والقادرة التي تحمي السيادة وتدافع عن الأرض وتحمي كرامة الشعب اللبناني»، معبّراً عن «ثقته بالعهد»، الذي «نقف إلى جانبه وأمامه وخلفه لتحقيقِ هذه الغاية، تحريراً للأرض وإعادة الإعمار» من جهة، وما عبّر عنه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد عبد الأمير قبلان في خطبته النارية، وما تضمّنته من إشارات خرجت عن السياق المنتظر في مثل الظروف المقلقة التي تعيشها البلاد، ورفضه لأي مشروع يؤدّي إلى المسّ بالسلاح لأنّه «لم يَعُد لدينا شيء نخسره». معتبراً «أنّ مصيره لا يتقرّر على الساحة الداخلية ويتعدّى قدرات اللبنانيِّين»، وبتهديده «أنّ شطب السلاح سيضعنا في مواجهة أخطر حدث يطاول لبنان وصيغته السياسية ووجوده»، تاركاً الباب مفتوحاً أمام تفسيرات لا تحتملها الساحة الداخلية إن انتفى دور السلاح في مواجهة العدو الإسرائيلي دون غيره من قوى الداخل.

وعليه، تعترف مراجع سياسية وديبلوماسية بصعوبة المرحلة، وما يعوق مواجهتها في ظل فقدان القدرات الكافية، ولذلك فهي تضيف، إن بقِيَت المعادلة على ما هي عليه سيكون من الصعب التوصّل إلى إرضاء المجتمع الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، بلوغاً لمرحلة تثبيت وقف النار وإنهاء الاحتلال لمجموعة المواقع التي احتفظ بها الجيش الإسرائيلي وضمان السيطرة الكاملة للجيش اللبناني و»اليونيفيل» في أفضل الظروف على منطقة جنوب الليطاني، ووقف التشكيك الذي برز أخيراً بقدراتهما على القيام بالمهمّة التي أوكلت إليهما. فالتناقض بوجهيه الداخلي والخارجي في التعاطي مع ما هو مطروح حول آلية تطبيق تفاهم وقف الاعمال العدائية والخلافات حول برمجة الأولويات المطلوبة ينعكس سلباً على الجهود الديبلوماسية المبذولة. لا بل، فهو يُفقد لبنان كثيراً من أوراق القوة، وتجعله ضحية النزاعات بين أحلاف توفّر تلاقياً غير منظور في المصالح بين الأعداء والخصوم وتبادل للمنافع. وهو ما يمكن تلمّسه في حالات عدة، إن بقيَ لدى بعض اللبنانيِّين ارتباط بما يُهدّد استقرار الداخل في السياسة والأمن ويعكس تلقائياً مثله في الإنماء والإعمار والتعافي المالي والنقدي.

على هذه الخلفيات، يمكن فهم الحركة العاجلة التي عبّرت عنها لقاءات رئيس الحكومة نواف سلام العائد من زيارته الاستثنائية للرياض بعد لقاء جمعه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وقياساً على ما تناوله البحث في تلك الساعات القليلة بينهما، والتي عبّرت على هامش المشاركة في صلاة العيد في مكة المكرّمة، وهو الذي استعجل بتشجيع من ولي العهد زيارته لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في يوم عطلة رسمية، قبل أن يلتقي أمس برئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة.

وعليه، فإنّ اللقاء الأول الذي عُقِد على عجل، اكتسب أهمية لافتة، ذلك أنّه جاء في توقيته وشكله ومضمونه تأكيداً على الحاجة الماسّة ليكون الرجلَان في مركب واحد يخوضان المواجهة ومعها التجربة الصعبة عينها. وأنّه لا بُدّ من ترتيب المواقف بينهما لتأمين موقف لبناني صلب يؤدّي إلى النتيجة المرجوة وتجاوز المصاعب التي تسبّبت بها أحداث الجنوب والضغوط الإسرائيلية المرشحة لتكون مضاعفة في المستقبل القريب. فموجة الاغتيالات التي استأنفتها إسرائيل في الضاحية الجنوبية ومناطق مختلفة بعد تجديد بنك المعلومات تزامناً مع التعيينات الجديدة في الحزب، وهي مناسبة دفعت إلى تكثيف هذه العمليات بحجة أو من دونها، وهي مؤشر لأسلوب جديد سيعتمد سواء أُطلِقت صواريخ إضافية من الجنوب أم لا، وهي قادرة على تقديم سيناريوهات وهمية وأخرى يمكن أن تُرضي المجتمع الدولي في ظل عجز مطلق للمحور المناهض والقدرة على محاكاة أدوار ومهمّات المسؤولين المستهدفين بأدق التفاصيل المرتبطة بمواقعهم السرّية المخفية على أقرب المقرّبين من عائلاتهم.

أمّا بالنسبة إلى اللقاء الثاني في عين التينة، فقد عُدَّ مكمِّلاً للقاء بعبدا استعداداً لاستقبال السيدة مورغن أورتاغوس، في محاولة للجم ضغوطها إن قرّرت زيارة بيروت. فهي تردّدت إلى اليوم في انتظار أن يُثبِت اللبنانيّون قدرتهم على تنفيذ ما هو مطلوب من تدابير، باتت شروطاً دولية يتمّ التشاور حولها في الرياض والقاهرة وباريس وغيرها، بمعزل عمّا يُدبّر على خط العلاقات بين واشنطن وطهران. وهي وإن زارت بيروت فهي للإشارة هذه المرّة إلى ضرورة قطع الحبل بين الضاحية وطهران، الذي بات في رأيها على قاب قوسَين أو أدنى من أن يُقطَع انتظاراً لساعة الصفر التي تؤذن بذلك، فيستقر الوضع في لبنان وإلّا العكس، سيبقى البلد ينحو إلى مرحلة خطيرة من الاستنزاف الطويل المدى إن بقِيَت المراوحة قائمة.


المنشورات ذات الصلة