فيما تمعن إسرائيل في التوغّل داخل ألاراضي السورية مقروناً بقصف لمواقع عسكرية حول دمشق ومناطق أخرى، يتزايد القلق إزاء التصعيد القائم بين واشنطن وطهران، وكذلك في لبنان، نتيجة استمرار الخروقات الإسرائيلية اليومية لوقف إطلاق النار والقرار الدولي الرقم 1701 والتهديد بالعودة إلى الحرب على نطاق واسع، في الوقت الذي جمّدت لجنة مراقبة وقف إطلاق وتنفيذ القرار الدولي عملها انتظاراً لوصول الموفدة الأميركية مورغان اورتاغوس مساء اليوم إلى بيروت، ومعرفة طبيعة الرسائل التي ستحملها وما سيكون الردّ الرسمي اللبناني عليها.
لبنان تحت وطأة انتظارين، الأول التهديد الإسرائيلي بضرب إيران، والثاني وهو الأهم، ما ستحمله نائبة المبعوث الأميركي للشرق الاوسط مورغان اورتاغوس التي تصل عصر اليوم إلى بيروت، على ان تبدأ محادثاتها الرسمية السبت.
وقال مصدر سياسي رفيع لـ«الجمهورية»، إنّ موقف لبنان الرسمي الذي ستتبلّغه اورتاغوس من الرؤساء الثلاثة، انّ الأولوية هي لتنفيذ الاتفاق ووقف الاعتداءات والخروقات والانسحاب الإسرائيلي، أما تثبيت الحدود وحل النقاط العالقة فيتمّ التفاوض حولهما ضمن لجنة تقنية عسكرية على غرار ما حصل في الترسيم البحري.
وأكّد المصدر أنّ لا احد يعلم بمضمون الرسالة التي تحملها الموفدة الأميركية، مستغرباً ما حُكي عن تحذيرات أميركية في حال عدم دخول لبنان في تفاوض سياسي مباشر مع إسرائيل، لأنّ هذا الأمر غير مطروح على الإطلاق ولم يفاتح به احداً من المسؤولين في لبنان، بل اقتصر الأمر على ما قالته اورتاغوس عن فتح مسارات تفاوض ديبلوماسية عبر لجان عسكرية مطعّمة بمفاوضين مدنيين وسياسيين. وأشار المصدر إلى أنّه وعلى رغم ترقّب ما سيحصل بين إيران وإسرائيل وأميركا إلّا أنّ لبنان أبلغ رسالة واضحة عبر القنوات الديبلوماسية انّه يرفض أن يكون مرتبطاً بالأحداث الدولية والتصعيد الإقليمي، ولن يدخل طرفاً مع أحد.
ولم يخف المصدر تخوفه من الأجواء السائدة وإمكانية تدهور الوضع، كاشفاً انّ ملف نزع السلاح كما طُرح في اليومين الماضيين ليس مطلباً أميركياً إنما من أطراف داخلية تستثمر أجنداتها الخاصة على الجناح الأميركي، والمتوقع من الموفدة الأميركية هو إصرارها على تنفيذ الاتفاق والقرار 1701 جنوب الليطاني وشماله، أي بمعنى آخر «ضبضبة السلاح» أو حصره بيد القوات العسكرية، وإذا ما فاتحت المسؤولين في موضوع اللجان السياسية فسيكون الردّ: «تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار كما نص عليه».
مضمون الرسائل
على أنّ مصادر رسمية لم تشأ التكهن بطبيعة مهمّة اورتاغوس والرسائل التي قيل انّها تحملها. وأكّدت هذه المصادر لـ«الجمهورية»، انّ ما قيل عن هذه الرسائل وعن مضمونها خلال الأيام الاخيرة نقلاً عنها، يحمل تفسيرين اما انّها صحيحة، واما انّ المعنيين قد يكونون تعمّدوا هذا التسريب لاستكشاف ردود الفعل عليه قبل وصول الموفدة الاميركية لكي تبني على الشيء مقتضاه خلال محادثاتها مع المسؤولين اللبنانيين.
تصاعد الضغوط
وعشية وصول أورتاغوس حاملة «رسائل حازمة» إلى المسؤولين حسب مصادر مطلعة، أبلغت هذه المصادر إلى «الجمهورية» انّ لبنان يمرّ في مرحلة تصاعد الضغوط الأميركية عليه بالترافق مع استمرار الأذية الإسرائيلية من خلال الاغتيالات والاعتداءات المتنقلة، وذلك لدفعه إلى القبول بأجندة واشنطن للوضع اللبناني والمنسقة مع تل أبيب. ولاحظت المصادر انّ واشنطن لا تزال تمعن في إحراج رئيسي الجمهورية والحكومة في ملف سلاح «حزب الله»، المفترض أن يخضع إلى النقاش في إطار حوار حول استراتيجية الأمن الوطني التي تنبثق منها الاستراتيجية الدفاعية، في حين أنّ الولايات المتحدة تريد حسم هذا الملف على إيقاع سرعتها التي لا تأخذ في الحسبان خصوصية الواقع اللبناني وتوازناته.
ولفتت المصادر إلى أنّ ليس أمام لبنان الرسمي سوى محاولة احتواء الضغوط وامتصاصها والسعي إلى اقناع الولايات المتحدة بأنّ ملف السلاح يُعالَج ضمن الحوار الداخلي وليس تحت «المطرقة» التي من شأنها أن تفضي إلى الفوضى وليس الاستقرار.
وجهات نظر مختلفة
الّا أنّ ما تتوقف عنده المصادر الديبلوماسية المطلعة بكثير من الاهتمام هو الرسائل الأميركية المتتالية التي تُوجّه إلى أركان الحكم، وتحمّلهم المسؤولية عن التباطؤ في الوفاء بالتزاماتهم التي تعهدوا بها، والواردة في اتفاق وقف النار، ولا سيما منها تلك المتعلقة بنزع سلاح «حزب الله» في شمال الليطاني، وكذلك التباطؤ في الإجابة عن الطرح الأميركي إشراك ديبلوماسيين في الطواقم المفاوضة مع إسرائيل، إلى جانب العسكريين.
ووفق مصادر وزارية لـ«الجمهورية»، فإنّ لبنان يتبنّى وجهات نظر مختلفة عن واشنطن في تفسير بنود اتفاق وقف النار وتوقيت نزع السلاح وسياقه وظروفه، كما أنّه يرفض أي مفاوضات سياسية مع إسرائيل في ظل المعطيات القائمة.
وتخشى المصادر الديبلوماسية أن يقود هذا التباين إلى توتر في العلاقات مع واشنطن، يمكن أن يظهر في الزيارة المنتظرة للموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس التي سبق أن أطلقت تهديدات واضحة بإطلاق يد إسرائيل في ضرب لبنان، إذا لم يستجب للشروط المتعلقة بنزع السلاح، علماً أنّ أورتاغوس أرجأت زيارتها للبنان مراراً في سياق الضغط، فيما أوقف الأميركيون اجتماعات لجنة مراقبة وقف النار التي يرئسونها ضمن هذا المنظار.
موقف فرنسي للترسيم
في هذه الأثناء، أعرب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر عن قلقهما إزاء «تصرفات إيران المزعزعة للاستقرار إقليميًا ودوليًا»، بحسب ما أعلنت الخارجية الفرنسية التي كشفت في بيان أنّ «بارو أعرب عن رغبة فرنسا في مفاوضات بتوافق الجميع لترسيم الحدود البرية بين إسرائيل ولبنان». وبحسب البيان، «بحث بارو مع نظيره الإسرائيلي الوضع على الحدود اللبنانية، ودعا إلى احترام اتفاق وقف إطلاق النار».
الوضع السوري
في غضون ذلك، وتعليقاً على الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، أعربت وزارة الخارجية السعودية في بيان عن «استنكارها الشديد للغارات الإسرائيلية، التي استهدفت خمس مناطق مختلفة في الجمهورية العربية السورية الشقيقة، والتي أدّت إلى إصابة العشرات من المدنيين والعسكريين، مجددةً المملكة رفضها القاطع لمحاولات سلطات الاحتلال الإسرائيلية تهديد أمن واستقرار سوريا والمنطقة من خلال انتهاكاتها للقوانين الدولية». وشدّدت الوزارة على «ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي وخصوصاً الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بدورهم، والوقوف بشكلٍ جاد وحازم أمام هذه الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في سوريا والمنطقة، وتفعيل آليات المحاسبة الدولية عليها».
الحزب يتضامن
إلى ذلك دان «حزب الله» في بيان «العدوان الأميركي-الإسرائيلي الهمجي المتصاعد على كل من سوريا واليمن وغزة ولبنان، والذي يشكّل امتدادًا للحرب المفتوحة التي يشنّها محور الشر الأميركي-الصهيوني على شعوب المنطقة، مزعزعًا استقرار وأمن دولها، ومستبيحًا سيادتها ومستنزفًا لقدراتها وعوامل القوة لديها، لإخضاعها لمتطلبات هيمنته ومصالح الكيان الصهيوني، لتكون له اليد الطولى في المنطقة». وقال «إنّ استهداف سوريا عبر الغارات المتكرّرة والتوغلات المستمرة في أراضيها يندرجان في إطار إضعاف الدولة السورية ومنعها من استعادة عافيتها، ويمثلان انتهاكًا فاضحًا لسيادتها». واعتبر «إنّ التصدّي البطولي لأبناء سوريا الشرفاء للتوغل الصهيوني، والذي أدّى إلى سقوط شهداء وجرحى، دليلٌ على أنّ خيار الشعب السوري كان وما زال خيار المواجهة والتصدّي للمحتل، وأنّ روح المقاومة متجذرة في وجدان السوريين».
وبعدما أشار الحزب إلى استمرار «العدوان الأميركي الهمجي» على اليمن، و»العدوان الإسرائيلي الوحشي المتصاعد على فلسطين وغزة»، أدرج في هذا السياق «الاعتداءات الإسرائيلية المتمادية على لبنان والضغوط الأميركية المتواصلة من خلال تغطية هذه الجرائم ومن خلال المبعوثين الذين يحملون الشروط الإسرائيلية لفرضها علينا». ولاحظ «انّ المعادلة اليوم واضحة: إما المواجهة أو الاستسلام لمخططات العدو التي لا تهدف إلّا لإخضاع المنطقة وتركيعها والهيمنة على شعوبها ومقدراتها».