عاجل:

ماذا ينتظر لبنان لملاحقة الـ HSBC؟ (الأخبار )

  • ٤٩


التفاصيل المذهلة التي وردت في محضر استجواب الموظف الكبير في المصرف البريطاني HSBC صبحي طبارة، أتاحت للجهات القضائية السويسرية الاطّلاع على معطيات طابقتها مع وثائق داخلية تخصّ المصرف نفسه، والنتيجة الأبرز كانت في أن المصرف تعمّد عدم التزام المعايير المتّبعة عادة في التدقيق في مصدر تحويلات مالية لأي عميل، دون منحه أي خصوصية، وأن التدقيق يصبح أكثر إلزامية عندما يكون صاحب الحساب شخصية عامة وفي موقع مسؤول، وفي بلد يضجّ بالفساد المالي.


وأظهرت التحقيقات الإضافية، أن مصرف HSBC في جنيف، تعمّد أو قصّر في التدقيق المطلوب واكتشاف الشبهات المتعلقة بعمليات مالية مشبوهة، وتبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات. كما تعمّد المصرف، تجاهل التدقيق في هوية صاحب الحساب الذي كانت الأموال تصله تباعاً من لبنان، وأنه رجا سلامة شقيق حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة.


وبرغم أن وثائق المصرف المذكور تشير إلى وجود «مؤشرات قلقٍ» بشأن الحساب، إلا أن إدارة المصرف، والفريق المشرف على إدارة الحساب، بقيا مستمريْن في التعامل، متجاوزيْن كل الملاحظات، بما في ذلك عدم «توافر معطيات دقيقة حول المعاملات»، بل أكثر من ذلك، فإن المصرف البريطاني، تعامل مع «الزبون» رجا سلامة بوصفه صاحب سمعة جيدة.


وتمّ التعامل مع شركته للوساطة «فوري» على أنها شركة كبيرة ذات سمعة، علماً أن المصرف المذكور لم يكلّف نفسه عناء التدقيق في أوراق الشركة وأعمالها وإدارتها، رغم إرسالها أشخاصاً إلى لبنان لهذه الغاية، سيما أن التحقيقات البسيطة التي أجريت من قبل جهات قضائية لبنانية فقط، أظهرت وسريعاً، أن «فوري» لم تكن سوى شركة وهمية، ولم يكن لديها أي موظف ولا حتى توجد لديها مكاتب، ولا رقم هاتف. كما أظهرت التحقيقات اللبنانية التي أُرسلت إلى أوروبا مع مصرفيين لبنانيين كبار، ومع مستثمرين، أن أحداً لم يسمع بهذه الشركة.


لكنّ التحقيقات، بما فيها محضر استجواب صبحي طبارة كشاهد، أظهرت أن الأخير، كان على علم بواقع الأمور، سيما أنه وفّر التغطية لرجا سلامة، وقال عنه لإدارته إنه شخص جيد وله أعمال ولديه سمعة حسنة. لكنّ طبارة بقي لنحو عشر سنوات يغطّي أعمال الشركة دون أي تدقيق أو تشكيك في طبيعة ما تقوم به. وبرّر طبارة لإدارته موقفه بأنه حصل لاحقاً من مصرف لبنان على وثيقة تقول إن الشركة تعمل وفق عقد موقّع مع المصرف وإن العمولة محدّدة في هذا العقد. وقال طبارة إن الرسالة وصلته عن طريق موظف في قسم «خدمات الخزانة والامتثال» في مصرف لبنان، علماً أن مدراء في مصرف لبنان قالوا في تحقيقات لاحقة، إنه لم تكن هناك وحدة بهذا الاسم في مصرف لبنان وتحديداً في التاريخ الذي أشير إليه في شهادة طبارة الذي عاد وقال لإدارته، إن ما تلقّاه من وثائق يجعله مستمراً في العمل مع الشركة.


على أيّ حال، فإن الجريمة التي بات المصرف البريطاني HSBC مشتبهاً بارتكابها، ليست الأولى في سجلّه، ولطالما خضع لمساءَلة بسبب بعض العمليات المالية التي جرت عبره، كما حصل معه في عام 2012، عندما كشفت تحقيقات أميركية أن المصرف متورّط في عملية غسل نحو 900 مليون دولار لصالح مجموعات خاضعة لعقوبات أميركية.


وفي تلك القضية، وافق المصرف البريطاني على عقد تسوية دفعت بموجبها شركة HSBC Holdings غرامة بلغت 1.25 مليار دولار للسلطات الفيدرالية في الولايات المتحدة. وقد أقرّ المصرف بأنه مسؤول عن تقصير في مراعاة القواعد الخاصة بالامتثال، وقد وعد بإجراء الإصلاحات اللازمة. لكنها إصلاحات لم تظهر في قضية «فوري» والأخوين سلامة.


وتزيد الشكوك، كون المصرف الذي اضطر إلى إغلاق حسابات سلامة في عام 2016، بقي صامتاً على الإجراء، ولم يعمد إلى إبلاغ المسؤولين في مكافحة عمليات تبييض الأموال بقراره، إلا بعد 4 سنوات من القرار. وتبيّن أن التبليغ حصل على ضوء الضجة التي انطلقت في لبنان وأوروبا بشأن ملف «فوري». كما أن تورّط المصرف البريطاني يمكن التثبّت منه من خلال القرار الذي صدر في عام 2024، عن هيئة الرقابة على السوق المالية السويسرية، والتي اتهمت المصرف بأنه «انتهك قانون السوق المالية بشكل خطير».


وبالمناسبة، يوجد مصرف أوروبي آخر، هو مصرف BGL BNP Paribas، كان قد تعامل أيضاً مع «فوري»، وكان كذلك قد تورّط في تغطية نشاط وعمليات الشركة. وبرّرت إدارته الأمر، كما تشير وثائق داخلية بأنه «من غير الملائم التدقيق في ثروة سلامة، ولا يوجد قلق بشأن نزاهته ومصدر ثروته».


كل ذلك، يعيدنا إلى المربع الأساس، والمتعلق بما تقوم به السلطات المالية والقضائية في لبنان لأجل ملاحقة هذه المصارف المتورّطة في غسيل أموال سُرقت من المال العام، سيما أن المعطيات تفيد بأن السلطات اللبنانية لا تقوم بأي عمل من شأنه ضمان حق لبنان في استرداد المبالغ المسروقة، كما لا توجد مؤشرات إلى نية في ملاحقة جدّية للمصارف الأجنبية المتورّطة وإلزامها بدفع التعويضات الملائمة. وهناك أيضاً مصرف فرنسا المركزي الذي أصبح حاكمه في ما بعد مستشاراً لدى مصرف لبنان وقد غطّى الحاكم المذكور على بعض عمليات تبييض الأموال التي قام بها رياض سلامة عبر مصرف فرنسا المركزي.


المنشورات ذات الصلة