في خضم الأزمات التي يعيشها لبنان، حيث تتشابك خيوط السياسة بالاقتصاد وتتداخل المصالح المحلية بالخارجية، تبرز الحاجة الملحّة إلى استثمارات جادة تعيد للبلاد شيئا من استقرارها المفقود. الاستثمار ليس مجرد أرقام تُضخ في الأسواق، بل هو رؤية شاملة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس ثابتة، بعيدا عن التجاذبات السياسية والتحديات الأمنية التي طالما كانت حجر عثرة أمام نهضة البلاد.
ومن هنا، يتردد صدى فكرة “الثورة البيضاء”، تلك الثورة التي لا تُرفع فيها الشعارات النارية، ولا تملأ الشوارع بالمظاهرات الغاضبة، بل تتسلل إلى جذور الأزمة بهدوء، لتقتلع الفساد وتزرع الإصلاح في مؤسسات الدولة. إنها ثورة الفكر والعمل، حيث يُعاد بناء لبنان بيد أبنائه، لا بسواعد الغرباء..
أما على الصعيد الخارجي، فلبنان بلد صغير بحجمه، لكنه كبير بتأثيره، يعتمد بشكل أساسي على شبكة علاقاته الدولية. فبين الشرق والغرب، يحاول أن يحفظ توازنه الدقيق، وأن يستثمر في تحالفاته بما يخدم مصلحته الوطنية. يرى رجال الأعمال، أن مستقبل لبنان يكمن في انفتاحه على الاستثمارات العالمية، شرط أن يكون ذلك وفق رؤية اقتصادية سليمة تحفظ حقوق أبنائه وتعيد الأمل لأجياله الصاعدة.
"الامن العام" التقت جاك صراف ودار معه الحوار التالي:
*كيف تقيمون تاثير العهد الجديد على بيئة الاستثمار في لبنان؟
- نحن في ثورة بيضاء مع العهد الجديد انطلاقا من خطاب القسم. هذه الثورة دفعتنا نحن رجال الاعمال للعودة الى تكوين صورة واضحة عما يجب ان يكون عليه لبنان بعد الاحداث السوداء التي مر بها طوال السنوات الماضية. هذا الامل ضرورة ، لان رجل الاعمال يأخذ حاضره من تطورات الاحداث، وبالتالي يسعى الى التاكد من صحة المعطيات ليرتكز عليها في اي مشروع يعمل على استثماره. نحن ننظر اليوم الى رئيس الجمهورية من خلال تجربته العملية السابقة في قيادة الجيش، ومن خلال تطلعاته المنفتحة والشاملة. نحن نعتبر اننا نمر اليوم في الوقت المناسب. هناك بعض المحطات التي سنقف عندها في مسيرة هذا الوقت وهي الانتخابات البلدية ومن ثم النيابية. انها نقاط مفصلية. وهناك امتحان اخر خلال شهر حزيران المقبل عند بدء عودة الدول العربية الى لبنان، لاننا نعول على مساندتهم لنا شرط ان يكون لبنان قد قام بما هو مطلوب منه. ونتمنى وضع جدول زمني لانفسنا حتى نتمكن من قلب كل المقاييس التي مررنا بها طوال 30 سنة الماضية نتمنى ان تكون المرحلة الجديدة التي يشهدها لبنان، مرحلة واعدة لرجال الاعمال اللبنانيين المقيمين والمغتربين.
*الى اي مدى يمكن للاستقرار الحالي ان يشجع المستثمرين على العودة الى لبنان؟
- لقد وضع اتحاد المستثمرين اللبنانيين ورجال الاعمال بشكل عام خارطة طريق للمحافظة على المجتمع الاقتصادي. يترقب 100 رجل اعمال مقيمين في لبنان و 900 اخرين موجودين في الخارج، تنفيذ كل الخطوات المطلوبة والموعودة. عقدت اجتماعات متلاحقة لاتحاد المستثمرين، الذي طرح مجموعة من الاسئلة عما هو مطلوب لاعادة الثقة بلبنان؟. وهل ان كل ما ورد في وعد القسم سينفذ؟. وسيتم نقل هذه الهواجس الى المسؤولين. رجل الاعمال يحتاج الى تحديد متطلبات المرحلة الراهنة لجهة تنفيذ القوانين التي اقرت وتلك المطلوب اقرارها. نحتاج الى قضاء مستقل، وحل مشكلة الودائع واعادة هيكلة المصارف، وتحديث اجهزة الوزارات والادارات لجهة قوانينها وانظمتها لتتلاءم مع الواقع ومع التطور الذي نسميه بالذكاء الاصطناعي، والحداثة الدوليةحتى نستعيد ثقه العالم بالنظام اللبناني.
*ما هي الضمانات المطلوبة من الدولة للمستثمرين لحماية مشاريعهم من التقلبات الداخلية؟
- لا يمكن التعامل مع نفس الاشخاص الذين اوصلوا البلاد الى نهاية سيئة. مع العهد الجديد تغير الوضع لقد تم الاتيان باشخاص جدد، وعقلية جديدة، لديهم تطلعات مستقبلية واحدة. لذلك عقدت الهيئات الاقتصادية اجتماعات مكثفة، وضعت بنتجها خطة اقتصادية رفعت الى رئيس الجمهورية وكانت بعنوان "اي لبنان جديد نريد". انطلاقا من ذلك تمت لقاءات في غرفة بيروت مع عدد من الوزراء المعنيين كوزيري الاقتصاد والتجاره والمالية، عرضت معهما كل المواضيع، وسيتم عقد لقاءات اخرى مع كل الوزراء من اجل بلورت رؤية نهائية اقتصادية للبنان. واؤكد انه من دون اقتصاد متين لم نصل الى نتيجة ايجابية.
* ما هي المعوقات التي يمكن ان تواجه اي اصلاح شامل في لبنان، وكيف يمكن التغلب عليها؟
- لابد من تحديد المرتكزات الاساسية للاستثمار والوجهات الاستثمارية في لبنان. وهذا الامر لن يتم خارج اطار نظام انتخابي يسمح لنا بحسن الاختياروالمجيء بالرجل المناسب للمرحلة المقبلة الى الندوة البرلمانية. لأن عليه ستقع مسؤولية تحديث وتشريع قوانين عصرية، واعطاء المودعين حقوقهم من المصارف. ليس من مسؤولية النائب اختيار موظف الدولة لا في مراكز الفئة الاولى، ولا في باقي الفئات. من واجبات النائب التشريع لدولة حديثة. وانهاء تجارب الماضي التي امتدت الى عقود من السنوات. المسؤول الذي تمت تجربته سابقا لا يمكن مطالبته بوضع رؤية جديدة او القيام بثورة بيضاء جديدة.
* هل الانتخابات البلدية والنيابية عناصر اساسية في عمليات الاستثمار؟
- طبعا لان البلدية هي العنصر الاقرب لكل شخص، ان في عمله او بيته او وجوده ضمن النطاق البلدي. يخطئ من يعتبر ان البلدية هي ممر عادي، بل هي ممر اساسي لتحديد ملامح المستقبل.
* كيف يمكن تعزيز دور القطاع الخاص في الاستثمار وتنشيط الاقتصاد؟
- تأسس اتحاد المستثمرين سنة 2018 في ايام الرئيس سعد الحريري،وكان يسعى يومها الى عقد مؤتمر "سيدر"، وهدفه تنفيذ 257 مشروعا بالتعاون مع البنك الدولي والمنظمات الدولية الاخرى. مع وعد بتأمين ما بين 13 و 16 مليار دولار لتنفيذ هذه المشاريع الجديدة. واكد الرئيس الحريري يوم ذاك اصرار المجتمع الدولي على مشاركة القطاع الخاص في ادارة واستثمار تلك المشاريع. وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي صدر عام 2002 مهم جدا. هذا القانون يساعد اللبنانيين الراغبين، وهم كثر، على الاستثمار في لبنان.
* كيف يمكن الاستفادة من المغتربين اللبنانيين في دعم الاستثمار في المشاريع المحلية؟
- يلعب المغتربون اللبنانيون دورًا حيويًا في دعم الاقتصاد الوطني، سواء من خلال تحويلاتهم المالية أو عبر استثماراتهم المباشرة. اليوم نعمل اليوم ضمن الدائرة الصغرى. في السنوات الأخيرة، ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية، تراجعت استثمارات المغتربين في لبنان بسبب فقدان الثقة بالوضع الامني والمالي والمصرفي. ومع ذلك، شهدت الفترة الأخيرة بوادر إيجابية تشير إلى إمكانية عودة هذه الاستثمارات. ونسعى الى تأمين مستثمرين وخبراء لبنانيين من الجيل الصاعد للاستثمار في لبنان. وأبدى العديد من المغتربين اللبنانيين شغفا بالعودة إلى وطنهم وبدء حياة جديدة ودورة اقتصادية مستدامة.. مع الاشارةالى ان الوفود العربية ستبدا بالمجيء الى لبنان اعتبارا من شهر نيسان المقبل، وسنعقد الاجتماعات معهم لتشجيعهم على المشاريع التي نستطيع بدء الاستثمار بها.
* الى اي مدى يمكن للاستقرار الامني الحالي ان يشيع المستثمرين على العوده الى لبنان؟
- لتشجيع عودة استثمارات المغتربين، من الضروري تعزيز الثقة بالاقتصاد اللبناني من خلال تنفيذ إصلاحات هيكلية، ضمان الاستقرار السياسي والأمني، وتوفير بيئة استثمارية مشجعة وشفافة. كما أن تعزيز التواصل مع الجيل الجديد من المغتربين وتفعيل دورهم في الاقتصاد الوطني يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحقيق التنمية المستدامة. وما حدث من تطورات سياسية لافتة، كالاهتمام الامريكي المباشر بلبنان بعد غياب لاكثر من 30 سنة، وانتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة او التعيينات الامنية، وتنفيذ القرار 1701، كانت مؤشرات مباشرة لاستقرار الاوضاع. ولا بد من الاشارة الى ان "الامن العام" هو الجهاز الامني الحامي الرئيسي لنا كرجال الاعمال ونبارك لمن تسلم قيادته. لبنان اصبح على خط الهدوء والاستقرار، وليس على خط الزلازل. عندما ننظر الى ما يجري في دول العالم نسأل كمستثمرين، هل اوروبا هي المكان المناسب للاستثمار؟ هناك خوف ووتيرته تتصاعد. وهل الاستثمار متوافر في العالم العربي؟ للحقيقة هناك دولتان يمكن الاستثمار فيهما، المملكة العربية السعودية، والعراق. اما باقي البلدان هناك اشكاليات حول اوضاعها. لبنان اليوم بدأ رحلة الاستقرارونأمل ان تستمر نحو الاستدامة.
* ما هي القطاعات الاكثر جاذبيه للاستثمار في لبنان حاليا؟
- هناك الكثير من المشاريع الجاذبة للاستثمار وخصوصا تلك المشاريع التي كانت مدرجة على جدول اعمال مؤتمر"سيدر" نعمل على درس بعضها مجددا. وهناك مشاريع تلقى اهتماما من قبل المستثمرين العرب لا سيما مطاري بيروت القليعات، و محطات الكهرباء، وكل ما يتعلق بالنفط والغاز.بالاضافة
إلى وجود عدة قطاعات أساسية في لبنان تحمل فرصا استثمارية واعدة، في القطاع السياحي، مجالات الضيافة والترفيه.و المجال مفتوح أمام الاستثمارات في الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي. وتعتبر الصناعة من القطاعات الحيوية التي يمكن أن تسهم في تعزيز الاقتصاد اللبناني وتوفير فرص العمل.بالاضافة إلى إمكانية الاستثمار في أصول الدولة عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص، مثل قطاعات الكهرباء، المياه، الاتصالات، والطرق والانفاق ابرزها "نفق حمانا" وسكك الحديد.
أن جذب الاستثمارات إلى هذه القطاعات يتطلب توفير بيئة مستقرة وآمنة، بالإضافة إلى وجود نظام مصرفي فعّال وقضاء مستقل. ومن الضرورة وجود رؤية واضحة لجذب المستثمرين وتوفير الأجواء المناسبة لتحقيق التنمية الاقتصادية.
الاتفاق مع الدولة امر ضروري بشان مشاريع الاستثمار. لكن الاتفاق مع القطاع الخاص هو الاهم والمربح. هذا ما نسعى الى تأكيده في مفاوضاتنا مع سفراء الدول العربية. لأن من جرب المجرب كان عقله مخربا. التجربة مع القطاع العام فشلت وضاعت الاموال، فلماذا لا يتم تجربة القطاع الخاص. هناك الكثير من المشاريع، والمجالات المتوافرة لا تحصى ولا تعد.
* وهل لاموال المودعين دور في عملية الاستثمار ؟
- اصول الدولة كثيرة يمكنها سد جزء كبير من اموال المودعين. شركة انترا والكازينو والمدل ايست كلها تابعة لمصرف لبنان يمكن ان تساعد في دفع تعويضات الموظفين المسجلين في الضمان الاجتماعي، وتبلغ قيمتها نحو 9 مليارات دولار تم استعمالها لشراء سندات خزينة. بالاضافه الى اموال المودعين. لذلك الخط الاول في الثورة البيضاء هو دفع هذه الاموال.
* كيف يمكن تحسين العلاقة مع دول الخليج وعلى راسها المملكة السعودية والاجنبية لاستعادة تدفقات الاستثمار والمساعدات؟
- بالعودة الى السنوات العشرة الاخيرة كانت العلاقات شبه مقطوعة مع دول الخليج بسبب المواقف السلبية التي صدرت عن جهات حزبية، وانعكس ذلك على العلاقات الاقتصادية وتناولت تلك المواقف ايضا بعض الدول الاجنبية، ما اثر بشكل مباشر على الصادرات اللبنانية الى المملكة العربية السعوديه اولا ومن ثم باقي دول الخليج. ولتفادي مستقبلا مثل هذه الاوضاع لا بد للبنان من أعتماد مبدأ الحياد الايجابي الذي يسمح بعلاقة جيدة ومميزة مع الجميع. العلاقة السئة جعلت الميزان التجاري يميل لصالح الدول الاوروبية والعربية وبالتالي سجل لبنان خسائر مضاعفة. لقد وضعت الدول العربيه اليوم شروطا مهمة لاستعادة العلاقة كما كانت سابقا وابرزها، "الشفافية التامة" وقد بدانا نلمس ذلك من خلال اعتمادات بعض الادارات الرسمية على المكننة وتحسين عملها. التعيينات الاداريه الشفافة سيكون لها تاثير جيد. الاقتصاد في لبنان لا ينمو الا من خلال الاستثمارات الاجنبية. المرحلة الماضية كانت خير دليل على ذلك. المطلوب تحسين بنية العلاقه مع الدول المعنية من اجل التمكن من تحديث وتطوير بنيتنا التحتية وتفعيل الاستثمارات.