كتب الدكتور سليم الزيبق
من المُستغرب ان يُصرّح رئيس الحكومة الدكتور نوّاف سلام بما صرّح به بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء المنعقدة بتاريخ 27/3/ 2025، والتي تم خلالها تعيين السيد كريم سعيد حاكما لمصرف لبنان، وذلك بعد نيله اصوات 17 وزيرا مقابل امتناع الرئيس سلام وستة وزراء عن التصويت.
فاثر انتهاء الجلسة توجه الرئيس سلام الى اللبنانيين بقوله:" كما تعلمون انه تم تعيين كريم سعيد حاكما لمصرف لبنان، علما انه لم يكن مرشحي لهذا المنصب لعدد من الأسباب، في ظل حرصي على حقوق المودعين والحفاظ على أصول الدولة. وقد تحفظت مع عدد من الوزراء على تعيينه". وتابع قائلا: " يبقى الأهم، هو ان الحاكم أيا كان، ومهما كانت تحفظاتنا على اختياره، عليه ان يلتزم، منذ اليوم، بالسياسة المالية لحكومتنا الإصلاحية...".
بغض النظر عن المشاريع النقدية للحاكم الجديد وعن القوى الخفيّة والظاهرة، المحلية منها والدولية، التي كانت وراء تعيينه وشيطنة منافسيه، لا يمكننا الا ان نلاحظ خطورة هذا التصريح وانعكاساته على وحدة السلطة التنفيذية ومبدأ التضامن الوزاري من ناحية، وغرابة ردة فعل الرئيس سلام على نتيجة التصويت في مجلس الوزراء من ناحية أخرى.
ان وحدة السلطة التنفيذية تعني ان هذه السلطة، التي تعود لمجلس الوزراء منذ دستور الطائف (مادة 65)، يجب ان تُمارس من قبل هيئة واحدة تشكل فريق عمل متجانس مما يؤدي الى التناسق في اتخاذ القرارات الحكومية وتامين فعالية تنفيذها ويضمن عدم تشرذم السلطة ونشوء الخلافات الداخلية التي تعيق عملها في تنفيذ سياساتها العامة. وهذا ما يتجسّد ليس فقط بمبدأ سرية مداولات مجلس الوزراء وانما أيضا بمبدأ التضامن الوزاري. ففي تصريحه الانف الذكر خرق الرئيس سلام مبدا سرية مداولات مجلس الوزراء بقوله انه تحفظ مع عدد من الوزراء على تعيين السيد سعيد. فالمادة 4 من مرسوم تنظيم اعمال مجلس الوزراء (مرسوم رقم 2552 تاريخ 1/8/1992) تنص صراحة على اعتبار "مناقشات ومداولات مجلس الوزراء سرية ولا يجوز نشرها او الإعلان عنها". كذلك تنص المادة 9 منه على ان تكون "مناقشات مجلس الوزراء سرية" وتحدد الأشخاص الذين يحق لهم حضور الجلسة. ومنعا لأي التباس، تنص المادة 11 من نفس المرسوم على ان " يُوضع محضر خطي يلخص الوقائع والمداولات والقرارات والتحفظات وتتلى منه المقررات فقط في نهاية الجلسة"، مما يعني ان اعلان الرئيس سلام عن تحفظه وتحفظ بعض الوزراء كان مخالفا لمبدأ سرية مداولات مجلس الوزراء.
في مخالفته لمبدأ مداولات مجلس الوزراء خالف أيضا الرئيس سلام مبدا التضامن الوزاري بقوله انه عارض، مع بعض الوزراء، تعيين السيد سعيد. فقاعدة التضامن الوزاري تعني ان "المعارضة" غير موجودة في مجلس الوزراء، « Il n’y a pas d’opposition au conseil des ministres » ، بحسب التعبير الذي يُنسب الى الرئيس الفرنسي جاك شيراك اثناء توليه رئاسة الحكومة في عهد الرئيس جيسكار ديستان.
بدون أدنى شك، إن مجلس الوزراء، كهيئة جماعية مؤلفة من سياسيين من مشارب مختلفة، يتحول مرارا الى ساحة للنقاش الحاد بل وحتى العنيف. الا ان هذه الظاهرة الصحية، من منطلق ديموقراطي، يجب ان لا تخرج الى العلن لان في ذلك ضربة قاسية لمصداقية وفعالية العمل الحكومي. فمبدأ التضامن الوزاري يفرض على الأقلية ان تنضم، فور اتخاذ القرار، الى راي الأغلبية، نظرا لان أي قرار تتخذه الحكومة يعتبر قرارا جماعيا، ويجب على جميع الوزراء الدفاع عنه حتى لو كان بعضهم قد عارضه شخصيا.
فبحسب تعبير السياسي الفرنسي الشهير Jean-pierre Chevènement
ان قاعدة التضامن الوزاري تفرض على الوزير "اما السكوت او الاستقالة".
ان تصريح الرئيس سلام يبدو أكثر غرابة عندما نعلم انه جعل من قاعدة التضامن الوزاري معيارا أساسيا لتأليف حكومته الحالية، بهدف تشكيل فريق عمل متجانس يضع حدا للممارسات السابقة ولظاهرة "المعارضة" داخل الحكومة. الا ان الأكثر خطورة هو تحديد الرئيس سلام للأسباب التي دفعته إلى التحفظ على تعيين الحاكم الجديد بقوله ان كريم سعيد "لم يكن مرشحي لهذا المنصب لعدد من الأسباب، في ظل حرصي على حقوق المودعين والحفاظ على أصول الدولة". فاذا كانت للكلمات معنى فان ذلك يعني ان الرئيس سلام يشك في حرص رئيس الجمهورية ومن عارضه من الوزراء على حماية حقوق المودعين والحفاظ على أصول الدولة. نأمل ان لا تكون نيّة الرئيس سلام متوافقة مع معنى الكلمات.
أخيرا تجدر الإشارة الى ان التحذير الصارم الذي وجهه الرئيس سلام للحاكم الجديد بقوله " ان عليه ان يلتزم، منذ اليوم، بالسياسة المالية لحكومتنا الإصلاحية"، هو لزوم ما لا يلزم. اذ من المعلوم ان رسم السياسة المالية للدولة يعود الى السلطة السياسية اما المصرف المركزي فلا علاقة له الا برسم السياسة النقدية.
في الواقع ان هذا التحذير يعبّر بشكل واضح عن غضب الرئيس سلام من نتيجة التصويت وصعوبة القبول بها وهذا ما لا يمكن لأنسان ان يُعيب عليه ذلك. فهل يُعقل ان يأخذ مجلس الوزراء قرارا بالرغم من معارضة رئيس هذا المجلس، وهو الذي يمثل، بحسب منطوق المادة 64 من الدستور، الحكومة ويتكلم باسمها ويعتبر مسؤولا عن تنفيذ سياستها العامة؟ بدون أدنى شك ان ذلك يُعتبر ذروة انعدام المنطق. الا ان ذلك هو منطق دستور الطائف. ان الرئيس سلام الذي لم يألُ جهدا في التذكير بان التطبيق الصحيح لدستور الطائف هو خشبة الخلاص للشعب اللبناني، يعرف اكثر من غيره ان اتفاق الطائف حوّل مجلس الوزراء من "مركز قرار" الى "برلمان مُصغّر" كي لا نقول " مجلس ملل". ففي البرلمانات، الصغيرة منها والكبيرة، توجد أغلبية واقلية وتُتخذ القرارات بالاقتراع وتخضع الأقلية لإرادة الأكثرية برحابة صدر بشكل عام. وهذا ما تؤكد عليه المادة 65 من الدستور عندما تنص على ان مجلس الوزراء " يتخذ قراراته توافقيا، واذا تعذر ذلك بالتصويت"؟
يتضح مما تقدم ان دستور الطائف لا يتلاءم مع وجود حكومة تشكل فريق عمل متجانس. نظرا لاستحالة المس بدستور الطائف، من الناحية السياسية بالطبع، لا يبقى امامنا الا الاعتراف بوجود " برلمانين" في نظامنا الدستوري والاعتياد على الاقتراع في مجلس الوزراء والقبول بنتائجه.