كرّس لبنان الرسمي محاولتَه إقناع الولايات المتحدة بـ«طَبعةٍ مُخفَّفة» من المطالب الثلاثية البُعد التي حَمَلتْها موفدتها مورغان أورتاغوس إلى بيروت أمس وتتمحور حول إطلاق مفاوضاتٍ ذات طابع دبلوماسي – سياسي بين بيروت وتل أبيب توطئةً لتسوية متوازية لملفاتٍ وليدة الحرب الأخيرة و«موروثةٍ» من مرحلة ما بعد انسحاب العام 2000، وسَحْبِ سلاح «حزب الله» التزاماً بمقتضيات اتفاق وقف النار (27 تشرين الثاني) والقرار 1701 وأخواته، والمضيّ بالإصلاحات المالية ومتمماتها، على قاعدة أن هذه المسارات المتزامنة تشكّل بالنسبة لواشنطن «سلةً واحدةً» لتفادي أن تبقى «بلاد الأرز» ملعب نارٍ ولـ«التزوّد» بعناصر تتيح كبْح إسرائيل عن مزيدٍ من التصعيد وتلافي بلوغ مرحلة «لن نستطيع وَقْفَها».
ورغم أن أورتاغوس التي وصلت إلى بيروت عصر الجمعة وتُنْهي زيارتها للبنان اليوم، اعتمدتْ سياسة الصمتِ بعد لقاءاتها و«الدبلوماسية الناعمة» خلال محادثاتها «الحساسة» إذ ابتعدتْ عن نبرة التهديد أو التوعّد، فإن ما توافَرَ عن اجتماعاتها يشير إلى أنها ظهّرت وعلى طريقتها مَحاذير تلكؤ لبنان عن الإسراع في إنهاء وضعية سلاح «حزب الله» خارج الشرعية والتأخّر في الاقتناعٍ بأن «الإصلاح الأمني» (السلاح والحدود مع سوريا أيضاً) مع المالي يبقى «السيبة» لخروج البلاد من دائرة المخاطرة بزجّها مجدداً في حربٍ ومن حفرة الانهيار واستقطاب الدعم الخارجي للإعمار، إلى جانب الحضّ على الانخراط في «مجموعات العمل الدبلوماسية» الثلاث التي سبق أن أعلنت عنها بين بيروت وتل أبيب (بمشاركة أميركية) لبت مسألة التلال الخمسة التي غنمتْها إسرائيل (نتيجة الحرب الأخيرة)، والأسرى اللبنانيين لديها، والنقاط المتنازَع عليها على الخط الأرزق تمهيداً لتثبيت الحدود البرية.
ووفق مَن تسنى لهم الاطلاع على فحوى محادثات أورتاغوس التي كانت استهلّتْها (الجمعة) من معراب حيث التقت رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، قبل أن تعقد أمس لقاءاتها الرسمية مع رؤساء الجمهورية جوزف عون والبرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام ووزيري الخارجية والمال يوسف رجي وياسين جابر وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، فإنها عكستْ أن «لا خطوة أميركية إلى الوراء» في ما خص المقاربة للوضع اللبناني ومرتكزات وضع بلاد الأرز على سكة الاستقرار المستدام، وأن ثمة حاجة لالتقاط فرصة تاريخية في هذا الإطار واستعجال مَسارِ تسليم «حزب الله» لسلاحه، مع رسالة ضمنية بأن «لا يمكن أن تكملوا بهذه الطريقة»، وأن قيام الدولة يمرّ بحصرية السلاح قولاً وفعلاً بيدها وأن إسرائيل تعتبر أنه ما دام السلاح لم يُعالَج فإنّ اتفاق وقف النار لم يُطبَّق من الجانب اللبناني.
وفي هذا الإطار، تم التعاطي مع البيان الذي صَدر عن «القوات اللبنانية» حول مضمون وحصيلة لقاء أورتاغوس وجعجع على أنه يعبّر عن مضمون النقاش كما يعكس «تفاهماً» حول مخرجاته، وهو أكد أنه «تم خلال اللقاء بحث شامل في الأوضاع اللبنانية والإقليمية، مع التركيز على تطبيق اتفاق وقف النار والترتيبات المرتبطة به، ولا سيما تنفيذ القرار 1701 بمندرجاته كلها، وفي طليعتها بسط سلطة الدولة اللبنانية بقواها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، ضبط الحدود مع سورية، السيطرة الكاملة على المعابر الجوية والبحرية، والانتهاء من الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المتبقية في الجنوب اللبناني»، و«أن المدخل الأساسي لأي نهوض اقتصادي حقيقي يبدأ بتطبيق السيادة الكاملة للدولة وبحصرية السلاح بيد الشرعية اللبنانية».
«لبننة» المطالب الأميركية
وفي المقابل، سعى المسؤولون اللبنانيون إلى «لبننة» المطالب الأميركية وآليات معالجتها، وفق ما عبّر عنه ما كُشف عن تقديم تَصَوُّر وفق «أولويات لبنان» وينطلق من مَضامين «تراتبية» اتفاق وقف النار نفسه، لجهة معالجة القضايا العالقة أمنياً بدءاً من انسحاب إسرائيل وتسليم الأسرى وصولاً إلى تثبيت الحدود وتنفيذ مضامين اتفاق 27 نوفمبر في ما خص حصرية السلاح، وسط تقارير عن أن لبنان يفضّل اعتمادَ إطارٍ لبناني للتوافق حول هذه المسألة من ضمن بحث في إستراتجية الأمن الوطني.
ووفق المعلومات فإن عون وسلام (وبري) اللذين كان نُقل عنهما عدم الحاجة إلى تفاوض عبر لجنتين حول مسألتيْ التلال الخمس والأسرى بوصفهما من اختصاص وتحت كنف «اللجنة الخماسية» العسكرية لمراقبةِ تنفيذ اتفاق 27 نوفمبر والقرار 1701 برئاسة جنرال أميركي، حاذرا الرفض المطلق لمسألة مجموعات العمل الدبلوماسية، وإن تَمسّكا بالتحفظ على التفاوض المباشر، وقدّماً «عرضاً بديلاً» لأورتاغوس «يستلهم» تجربة اللجنة التقنية – العسكرية التي رسّمت الحدود البحرية و«الدبلوماسية المكوكية» التي اعتمدها آموس هوكشتاين (في إدارة الرئيس جو بايدن) لحلّ النقاط العالقة (في الترسيم البحري وصولاً لاتفاق 27 نوفمبر).
وبدا «بين سطور» الموقف اللبناني أن ثمة تَهَيُّباً لتسريعِ مسألة سحب سلاح «حزب الله» وتحبيذاً لتنفيذ الشق المتعلق بجعل جنوب الليطاني خالياً من أي وجود عسكري للحزب، فوق الأرض أو تحتها، على أن تبقى قضيةُ السلاح شمال النهر والذي سبق لواشنطن وأورتاغوس نفسها أن طالبت بوضع جدول زمني محدد له ولكن يكون بمهل قصيرة، رهن حوار داخلي، وهو المسار الذي يُشتمّ منه محاولة لتمرير العاصفة التي تهبّ على جبهة أميركا – ايران التي تقترب «اتجاهات الريح» فيها من التبلور، تسوية تحت ضغط ديبلوماسية الأساطيل البحرية أو حرباً نقلت صحيفة «ديلي إكسبريس» عن مصادر قريبة من إدارة ترامب أنها ستعني أن إيران «ستزول بحلول سبتمبر المقبل، إثر هجوم غير مسبوق، إذا لم توافق على اتفاق نووي وتبدأ في تفكيك برنامجها».
وفي الوقت الذي تُحبس الأنفاس على هذه الجبهة يسود رصدٌ للمحادثات التي يُرجح أن يقوم بها بنيامين نتنياهو في واشنطن غداً، على أن يكون الملف الإيراني جزءاً رئيسياً منها، وسط اعتبارِ أن حصول الزيارة في ظل انغماس دونالد ترامب بارتدادات «إعصار» الرسوم الجمركية والذي وُصف بأنه بمنزلة «بريكست» أميركي وأكثر بتداعياته على التجارة والاقتصاد العالميين، فإن هذا سيكون مؤشراً إلى خطورة اللحظة في المنطقة والتي يرتبط بها لبنان من خلال التسخين الإسرائيلي التصاعدي في الأيام الأخيرة، وهو ما يجعل ما طرحه المسؤولون اللبنانيون أمس على أورتاغوس بالغ الأهمية لجهة الوقع الذي سيُحْدِثه لدى الإدارة الأميركية – رغم تقاطُع المقرات الرسمية على وصف اللقاءات مع الموفدة الأميركية بأنها «بناءة وإيجابية» – وهل ستغطي منْح بيروت «فرصة» لمعالجة مسألة السلاح من دون أن «تنفجر» بين أيدي اللبنانيين ما دام الحزب يرفض حتى مبدأ تسليمه.
وكان المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية أعلن أن الاجتماع بين الرئيس جوزف عون ونائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط «كان بنّاءً، وتم البحث بين الوفدين، في عدد من الملفات، أبرزها الجنوب اللبناني وعمل لجنة المراقبة الدولية، والإنسحاب الإسرائيلي، والوضع على الحدود اللبنانية – السورية والتنسيق القائم بين الجانبين اللبناني-السوري، إضافة الى موضوع الإصلاحات المالية والاقتصادية والخطوات التي تقوم بها الحكومة لمكافحة الفساد».
أجواء بناءة
وسادت اللقاء أجواء بناءة، وسبقته خلوة بين الرئيس عون والموفدة الأميركية، استمرت نحو نصف ساعة.
وخلال اللقاء مع سلام، أثنت أورتاغوس على «خطة الحكومة الإصلاحية، ولا سيما الخطوات التي باشرت بها، خصوصاً رفع السرية المصرفية، ومشروع قانون إصلاح القطاع المصرفي، وإطلاق آلية جديدة للتعيينات في إدارات الدولة، كما جرى تشديد على ضرورة الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي».
وإذ عبّرتْ عن «الارتياح للإجراءات التي بدأت الحكومة باتخاذها في مطار بيروت الدولي»، تناول البحث في ما خص الوضع جنوباً «التدابير التي يقوم بها الجيش اللبناني لتطبيق القرار 1701 واتفاق الترتيبات الأمنية لوقف الأعمال العدائية، بالتعاون مع لجنة المراقبة العسكرية، بالاضافة الى استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. كذلك جرى تناول تطورات الوضع على الحدود اللبنانية السورية مع التأكيد على ضبطها بشكل كامل ومنع حصول أي توترات أو فوضى بالإضافة إلى منع كل أشكال التهريب».
الخروق والإصلاحات
وخلال زيارتها بري، أثار مسألة «الخروق والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان والتي تتسبب بسقوط ضحايا يومياً وذلك خلافاً لاتفاق وقف النار والقرار 1701»، كما تطرق البحث إلى «الإصلاحات المنشودة على أكثر من صعيد وخصوصاً في القطاعات المالية والاقتصادية والإدارية».
وزود بري الموفدة الأميركية بقائمة تتضمن 18 قانوناً إصلاحياً أنجزها المجلس النيابي، ووصف اللقاء بأنه «كان جيداً وبناء».
وكذلك التقت أورتاغوس قائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أن يقوم بجولة على الحدود اللبنانية – السورية شرقاً ويتفقّد وحدات فوج الحدود البرّي المنتشرة في البقاع الشّمالي وشمال الهرمل.