عاجل:

تعرفوا إلى "قانون ساكسونيا".. إزدواجية المعايير بين ما تراه "إسرائيل" وما يُفرض على لبنان (خاص)

  • ٤٨

خاص-"إيست نيوز"

كتبت عبير درويش

"قانون ساكسونيا" هو مصطلح مجازي ساخر وليس قانوناً حقيقياً، ويُعتبر قانوناً غريباً كان يطبق في القرن الخامس عشر في ولاية ساكسونيا الالمانية، وينص على انه إذا ارتكب أحد من عامة الشعب جريمة تقطع رقبته فوراً، أما إذا أرتكبها أحد النبلاء فتقطع رقبة ظله!! هذا قانون حقيقي وليس وهمي وما اشبهه بقانون النظام العالمي الحالي ويُستخدم للإشارة إلى ازدواجية المعايير في تطبيق القانون، خاصة عندما يُعامل الأشخاص أو الدول بشكل مختلف بناءً على هويتهم أو مكانتهم.

 أصل المصطلح

مصطلح "قانون ساكسونيا" يعود إلى دولة ساكسونيا (وهي جزء من ألمانيا حالياً"، وكان يُقال عن طريق السُخرية إن "الأمراء في ساكسونيا لا يُعاقبون على الجرائم كما يُعاقَب عامة الناس"، أي أن العدالة تُطبّق على الضعفاء فقط، أما الأقوياء أو المتنفذون فهم فوق القانون.

 كيف يُستخدم هذا المفهوم بين "إسرائيل" ولبنان

حين يُقال إن "قانون ساكسونيا يُطبق في الصراع بين إسرائيل ولبنان"، فغالباً ما يكون ذلك على الشكل التالي:

انتقادا للمجتمع الدولي، وخصوصاً الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة، بسبب ما يُنظر إليه كـتغاضٍ عن خروقات "إسرائيلية" للقانون الدولي، مقابل إدانة أو معاقبة شديدة لأفعال من الجانب اللبناني، خصوصاً حزب الله. وعلى سبيل المثال:

عندما تقوم "إسرائيل" بعمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية أو طائراتها تنتهك الأجواء اللبنانية بشكل متكرر، نادراً ما تواجه إدانة حازمة أو عقوبات.

في المقابل، أي رد من حزب الله أو لبنان يُقابل بإدانة فورية وتهديدات بالعقوبات.

مما يعني في هذا السياق، "قانون ساكسونيا" يعني أن إسرائيل تُعامل كأنها فوق القانون، بينما يُحاسب لبنان أو جهات لبنانية على أي تصرف، حتى لو كان رداً على خرق سابق.

مصطلح سياسي

"ساكسونيا" مصطلح احتجاجي وسياسي الطابع، يُستخدم لإظهار ما يعتبره البعض عدم عدالة في المعايير الدولية. ويلامس جوهر الانتقادات التي توجّه للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، خصوصاً فيما يخص لبنان و"إسرائيل".

ولكي نفهم كيف تُطبّق الولايات المتحدة "قانون ساكسونيا" – أي ازدواجية المعايير – في هذا السياق، دعنا نُفصّل الأمور عملياً.

كيف تُطبّق الولايات المتحدة "قانون ساكسونيا" بين لبنان و"إسرائيل"؟

1- الرد على الخروقات "الإسرائيلية" للبنان

تنتهك "إسرائيل" الأجواء اللبنانية بشكل شبه يومي (طائرات تجسس، مسيّرات، طيران حربي).

وتقارير قوات "اليونيفيل (UNIFIL) " توثق هذه الانتهاكات، لكن:

الولايات المتحدة لا تدينها عادةً أو تتجاهلها تماماً. ولا تصدر عقوبات أو حتى ضغوط لوقفها.

في المقابل، أي عملية من حزب الله تُدان فوراً وبشدة من قبل واشنطن، وتُعتبر "تصعيدًا غير مبرر" أو "تهديداً لاستقرار المنطقة".

ومن هنا يتجلى "قانون ساكسونيا" والذي يُترجم أنه من يملك القوة (إسرائيل) لا يُحاسَب، بينما الضعيف (لبنان/حزب الله) يُلاحق حتى على رد الفعل.

2- التعامل مع الهجمات العسكرية

-إذا قصفت "إسرائيل" جنوب لبنان بحجة الرد على صواريخ أو نشاطات لحزب الله: تعتبر الولايات المتحدة القصف "حقاً مشروعاً للدفاع عن النفس".

-أما إذا أطلق حزب الله صواريخ على شمال "إسرائيل"، حتى لو كان رداً: يُوصَف الفعل بأنه "تصعيد خطير" أو "انتهاك لقرار مجلس الأمن 1701". ويُطالب لبنان بـ “ضبط النفس" بينما لا يُطلب من "إسرائيل" الشيء نفسه.

3- الدعم العسكري والسياسي "لإسرائيل"

تُزوّد الولايات المتحدة "إسرائيل" بمليارات الدولارات من الدعم العسكري سنوياً، كما تُؤمّن لها غطاء سياسي دائم في مجلس الأمن باستخدام الفيتو لمنع أي قرار قد يُدين "إسرائيل".

في المقابل:

لبنان يعاني من عقوبات وضغوط سياسية ومالية (خاصة إذا تم ربطه بأي نشاط لحزب الله).

كذلك، الدعم الأميركي للجيش اللبناني محدود وغالباً مشروط بعدم استخدامه ضد "إسرائيل" أو حلفائها.

4- في المحافل الدولية

عندما تُطرح قرارات أممية تُدين الاستيطان أو الانتهاكات "الإسرائيلية": الولايات المتحدة تستخدم الفيتو لحماية "إسرائيل".

أما عندما تُطرح قرارات تُدين حزب الله أو تدعو لتجريده من السلاح: تؤيدها وتدفع باتجاهها بقوة، وتحمّل لبنان المسؤولية عن تنفيذه.

الخلاصة تعني..

الولايات المتحدة لا تطبّق "قانون ساكسونيا" رسمياً، لكن سلوكها السياسي يُظهر ازدواجية واضحة في التعامل مع "إسرائيل" ولبنان – تُعامل "إسرائيل" كأنها فوق القانون، بينما تُحمّل لبنان (وخاصة حزب الله) كامل المسؤولية عن التصعيد.

انتقادات.. وتوتّر.. وعدم توازن في العلاقات

هذه السياسة تُنتقد بشدة في المنطقة، وتُرى كسبب أساسي لاستمرار التوتر وعدم التوازن في العلاقات.

ومن الأمثلة الحديثة من عام 2025 نُوضح كيف يُنظر إلى تطبيق الولايات المتحدة لما يُشبه "قانون ساكسونيا"—وازدواجية المعايير—في تعاملها مع النزاع بين "إسرائيل" ولبنان.

ومن الأمثلة البارزة من عام 2025:

1- الدفع باتجاه نزع سلاح حزب الله مقابل مطالبات معتدلة "لإسرائيل":

طرحت الولايات المتحدة، عبر مبعوثها توم باراك، خطة بخطوات محددة لنزع سلاح حزب الله بحلول نهاية 2025، مقابل انسحاب تدريجي "لإسرائيل" من جنوب لبنان، مع دعم دولي واقتصادي.

فالرغم من استمرار القصف "الإسرائيلي" في جنوب لبنان، لم تُوجه وزارة الخارجية الأميركية إدانة علنية ضده، بل ركزت على الدفع نحو نزع سلاح حزب الله كحل لتحقيق الاستقرار.

2- الفيتو الأميركي على قرارات أممية تنتقد "إسرائيل":

استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو في مجلس الأمن لعرقلة قرارات تدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، بالرغم من دعم أغلب أعضاء المجلس لها، ومن دون المطالبة بحقوق إضافية أو ارتباطات سياسية كما حصل في بعض حالات حرب غزة.

3- الموقف المزدوج تجاه انتهاكات الحياد الدولي ودعم الجيش اللبناني:

بعد هجمات من مؤيدي حزب الله على قوات الأمم المتحدة (UNIFIL) في شباط/فبراير 2025، أدانت الولايات المتحدة الحادث وطالبت بمحاسبة الجناة، مشيدة بدور الجيش اللبناني في الاحتواء.

في المقابل، بالرغم من رصد اليونيفيل عدداً من الانتهاكات "الإسرائيلية"، مثل إطلاق نار قرب مواقعهم، لم تصدر واشنطن إدانات مماثلة أو ضغوط قوية لوقف هذه الانتهاكات

4-إزدواجية واضحة في المعايير

لكل من يُعتبر طرفاً قوياً (إسرائيل)، يبدو أن هناك تساهلاً واسعاً: فلا إدانات رسمية ولا ضغوط دولية تُذكر عند خروقات أو تصعيد.

أما الجانب اللبناني أو حزب الله، فيتعرض لمطالبات حازمة وفورية لنزع السلاح، وتهديد بوقف الدعم أو الوساطة إذا لم يتجاوب.

أمّا في إطار الأمم المتحدة، فيُستخدم الفيتو الأميركي لحماية "إسرائيل"، بينما تصعب إدانة أو محاسبة غيرها في لحظات مشابهة.

الضغوطات الأميركية على لبنان

1- ضغط أميركي متواصل على لبنان لنزع سلاح حزب الله

جرى الضغط على الحكومة اللبنانية لإعداد خطة لاقتلاع سلاح حزب الله بحلول نهاية 2025، على أن تشمل الخطة انسحاباً تدريجياً "لإسرائيل" من جنوب لبنان كجزء من تسوية تشمل دعماً دولياً لتنفيذ تلك الخطة.

كما أكَّدت إدارة دونالد ترمب، عبر مبعوثها توم بارّاك، أن إرسال مبعوثات جديدة أو استئناف الضغط على "إسرائيل" لوقف الضربات الجوية أو الانسحاب يتوقف على موافقة الحكومة اللبنانية على قرار رسمي لمجلس الوزراء يقر بنزع سلاح حزب الله.

2- القناة الأمنية والمالية تتعرض للتدخل السياسي

مارست الولايات المتحدة نفوذاً مباشراً لمنع حزب الله أو حلفائه من تولي منصب وزير المالية في لبنان، معتبرةً أن هذا المنصب هو "خط أحمر".

كذلك طالبت واشنطن بإبعاد الأشخاص المقربين من حزب الله عن مناصب أمنية، كما القيادات في الإدارة العامة للأمن اللبناني.

3- تهديد ضمني بوقف الدعم في حال عدم الالتزام

حذّر كبار أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي من أن تأخر الجيش اللبناني في تنفيذ بنود وقف إطلاق النار أو تأخره في نزع سلاح حزب الله قد يؤدي إلى إعادة تقييم الدعم العسكري الأميركي.

كذلك، أشارت مصادر إلى أن الإدارة الأميركية تميل إلى وقف مساعداتها الدولية للبنان إذا لم يتم إحراز تقدم ملموس في نزع سلاح حزب الله وتنفيذ الإصلاحات المالية.

4-عقوبات اقتصادية موجّهة ضد حزب الله

فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على قيادات بارزة وداعمين ماليين لحزب الله في كل من لبنان وإيران، مستهدفة شبكة التمويل الأساسية للمجموعة المالية.

5- لا إدانات لوقف التصعيد "الإسرائيلي"... والتشدد لمنع عمل حزب الله

بالرغم من استمرار الضربات "الإسرائيلية" في الجنوب، اقتصرت الدعوات الأميركية على "تقليل العمليات غير الضرورية" فقط، دون مدح أو مطالبة "إسرائيل" بوقف شامل، بل ربطت ذلك بخطوات لبنانية أولاً.

وفي موازاة ذلك، لم تصدر واشنطن إدانات علنية قوية لأي خرق "إسرائيلي" لوقف إطلاق النار، بينما تم تهديد لبنان بشدة إذا لم يُظهر التزاماً تجاه نزع سلاح حزب الله.

"قانون ساكسونيا" الأميركي

السلوك الأميركي تجاه "إسرائيل" هو أنّ المساءلة الدولية حماية أميركية، والضغوط مطالبات مخففة أو متناسبة، والسيطرة السياسية والمالية حدود مخفّفة في الأمم المتحدة. والعقوبات نادرة أو معدومة.

أمّا تجاه لبنان فهو تهديد بقطع الدعم، ومطالبات فورية وحازمة، يُضاف إلى ذلك، مجلس الأمن تدخل مباشر في تشكيل الحكومة والمالية والأمن. ولا ننسى تهديد بعقوبات اقتصادية وسياسية واضحة.

المصادر: Security Council Report، رويترز، العربية بالإنكليزية، فايننشال تايمز، نيويورك بوست


المنشورات ذات الصلة