عاجل:

في انتظار الباقي لبنان ثبّت حدوده البحرية مع قبرص... ياغي لـ "ايست نيوز": لتسجيل الاتفاق فوراً في الأمم المتحدة (خاص)

  • ٥٥

خاص "إيست نيوز"

يُعيد لبنان رسمَ حضوره البحري عبر خطوة سياسية–تقنية طال انتظارها، بعدما شهد القصر الجمهوري الأربعاء الماضي توقيع الاتفاق النهائي لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، واضعاً حدّاً لواحدة من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً في شرق المتوسّط. خطوةٌ لا تُقاس بمجرّد خطوط على الخرائط، بل بإحكام السيطرة على ثروة بحرية تعادل ضعف مساحة لبنان البرية، وتُعدّ ركيزة أساسية لمستقبله الطاقوي.

 الخبير النفطي المهندس ربيع ياغي شرح لـ "ايست – نيوز" الخلفيات التقنية والسياسية للملف، كاشفاً الجذور التي تعود إلى عام 2007، والتداخلات الإقليمية التي عطّلته، وما ينتظر لبنان في المرحلة المقبلة.

 وُقّع عام 2007… ودُفن حيًّا

يستعيد المهندس ياغي البداية قائلاً إنّ “اتفاقية الترسيم الأولى بين لبنان وقبرص أُنجزت عام 2007 بين وزارة الأشغال اللبنانية والجانب القبرصي، ولكنها لم تُبرَم، ولم تُعرض على مجلس الوزراء ولا على مجلس النواب”.

والسبب كما يؤكّد: الضغط التركي المباشر على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك، ولا سيّما على السنيورة شخصياً، ما أدّى إلى تجميد الاتفاق ووضعه في الأدراج من دون أن يرى النور.

في تلك المرحلة، كانت أنقرة تعتبر أنّ أي اتفاق لبناني–قبرصي لترسيم الحدود البحرية يُضعف أوراق تركيا في المتوسط، ولا سيما في مواجهتها مع قبرص واليونان. وهكذا تحوّل لبنان إلى جزء من لعبة إقليمية لم تكن مصالحه في مقدّمتها.

الإشكالية التقنية: أين يبدأ الخط وأين ينتهي؟

يشرح ياغي أنّ جوهر المشكلة لم يكن سياسياً فقط، بل تقنياً كذلك، إذ إنّ الخط الوسطي المرسوم عام 2007 كان يرتكز على نقطتيْن غير عادلتين للبنان: الأولى هي "النقطة 1" جنوباً باتجاه إسرائيل و الثانية "النقطة 6" شمالاً باتجاه سوريا. وقد تبيّن لاحقاً أنّ هاتين النقطتين غير منصفتيْن للبنان، لا في الجنوب ولا في الشمال.

أما اليوم، وبفعل اتفاق الترسيم اللبناني–الإسرائيلي عام 2022، فقد تم تصحيح النقطة الثلاثية جنوباً، والعودة إلى النقطة 23 التي تحفظ حق لبنان في امتداد مياهه الاقتصادية.

هذا التصحيح أتاح، وفق ياغي، “استكمال الاتفاق الجديد مع قبرص بشكل قانوني وتقني واضح، وحسم كل النقاط التي كانت سابقاً مبهمة أو خلافية”.

النقطة المعلّقة شمالاً: عقدة لبنانية – سورية – قبرصية

ورغم التقدم الكبير، يلفت ياغي إلى أنّ الاتفاق الجديد لا يكتمل من دون حسم النقطة الثلاثية الشمالية التي تلتقي عندها المناطق الاقتصادية لكل من: لبنان، قبرص وسوريا.

ويقول ياغي بوضوح: “لا يمكن للبنان أن يمتلك خريطة بحرية مكتملة من دون اتفاق نهائي مع سوريا.” ذلك ان الخرائط السورية الحالية تُظهر دخولاً في المنطقة اللبنانية بين النقطتين 7 و6 بمساحة تُقارب 600 إلى 700 كلم²، ما يعني أنّ ملف الترسيم مع دمشق بات ضرورة ملحّة لاستكمال تثبيت الحدود البحرية.

عودة العامل التركي… ومحاولة الضغط مجدداً

يحذّر ياغي من أنّ تركيا “ستحاول مجدداً الضغط لتعطيل الاتفاق، أو التشكيك فيه، أو التعامل معه كأنه غير موجود، تماماً كما فعلت عام 2007”. لكن الفارق اليوم، بحسب رأيه، أنّ لبنان وقبرص يمتلكان ورقة قوة حاسمة ولا بد من "تسجيل الاتفاق مباشرة في الأمم المتحدة كاتفاق نهائي وملزم". وان هذا التسجيل، في رأيه، “يمنع أي ابتزاز تركي ويُخرج لبنان من مربع الضعف الذي عاشه طوال السنوات الماضية”.

لماذا هذا الاتفاق مهمّ؟

لأنّه بحسب ياغي ان الاتفاق "يثبّت حدود لبنان الاقتصادية جنوباً بشكل نهائي بعد تصحيح النقطة الثلاثي" و"يُنهي فراغاً دام 17 عاماً في العلاقة البحرية مع قبرص"، و"يفتح الباب أمام تعاون نفطي–غازي بين بيروت ونيقوسيا". و"يشكّل ركيزة ضرورية لأيّ استثمار مستقبلي في البلوكات الشمالية" كما انه "يُعزّز موقع لبنان في معادلة شرق المتوسط، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة".

والأهم، كما يذكّر ياغي: أن “مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان تبلغ نحو 22 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب ضعف مساحة لبنان البرية… وهذه ثروة لا يمكن التفريط بها”.

المرحلة المقبلة: ما المطلوب؟

يحدّد ياغي ثلاث خطوات عاجلة:

 1. تسجيل الاتفاق فوراً في الأمم المتحدة لمنع أي اعتراض تركي مستقبلي.

 2. بدء مفاوضات مباشرة مع سوريا لحسم النقطة الثلاثية الشمالية.

 3. استكمال البنية التشريعية اللبنانية التي تضمن حماية الثروة الغازية ومنع النزاعات القانونية.

لقد خرج اتفاق 2007 من الأدراج بعد 17 عاماً، وعاد إلى الحياة في لحظة إقليمية دقيقة. لكنّ تثبيت حق لبنان بالكامل لا يزال بحاجة إلى إرادة سياسية ومتابعة حثيثة، كما يقول المهندس ربيع ياغي الذي يذكّر بأنّ “الثروات البحرية لا تُحمى بالشعارات، بل بالاتفاقات وبالخرائط وبالقرار الوطني”.

وختما يصح القول: "أن لبنان اليوم أمام فرصة نادرة… فإما أن يحسم حدوده شمالاً كما حُسمت جنوباً، أو يبقى جزءاً من لعبة أمم لا ترحم".


المنشورات ذات الصلة