بصرف النظر عن فوضوية وعدم القدرة على التنبؤ بأفعال ترامب، إلا أن وجود والأهم من ذلك التراتبية الهرمية للعوامل التالية يسمح لنا بتحديد ملامح السيناريوهات المحتملة المحيطة بإيران.
يبدو العامل الأهم، في رأيي المتواضع، هو السياسة الداخلية الأمريكية. ففي اجتماع مع الجمهوريين، أوضح ترامب الإحتمال جلياً: إذا خسر الجمهوريون انتخابات التجديد النصفي فسيتم الشروع في إجراءات عزله.
إذا خسر ترامب، سيتعين عليه نسيان أمر أمريكا العظيمة وأن يقضي ما تبقى من ولايته في الإدلاء بشهاداته أمام الكونغرس والمحاكم أو لعب الغولف في التقاعد، وربما حتى في السجن.
بناء على ذلك أظن أن جميع تحركات ترامب على الساحة الدولية قبل الانتخابات تخضع في المقام الأول لمنطق الانتخابات. أما الدوافع الأخرى فهي ثانوية.
لم تتضح بعد نتائج اختطاف مادورو بالنسبة لترامب. فقد صمد النظام، وحتى مع مزاعم رشوة واشنطن لجزء على الأقل من النخبة الفنزويلية، فليس هناك ما يضمن استعدادها لاتباع تعليمات واشنطن بالكامل. لقد كان اقتصاد فنزويلا يعتمد بشكل كبير على القروض الصينية (تشير بعض التقديرات إلى أن الدين يبلغ 112 مليار دولار)، والتي كانت تسددها بالنفط. الولايات المتحدة عاجزة وغير راغبة في دعم البلاد، بل على العكس، يعتزم ترامب استنزافها بفرض سلع أمريكية أغلى ثمنا والسيطرة على صادرات النفط الفنزويلية. لذلك، فإن قبول الشروط الأمريكية على المدى المتوسط قد يؤدي إلى الانهيار النهائي للاقتصاد الفنزويلي، ما يجبر النظام على المقاومة. وإذا فشلت المقاومة، فإن آفاق فنزويلا قاتمة، ولن تصبح بالتأكيد قصة نجاح لترامب في غضون عام أو عامين.
لهذا، لا يسعنا في الوقت الراهن إلا الحديث عن تأثير إيجابي طفيف لاعتقال مادورو على شعبية ترامب بين بعض الناخبين الجمهوريين.
وبرأيي، أن هذا يكفي ترامب، على الأقل في الوقت الراهن.
من المرجح أن تؤدي مُحاولات البناء على هذا النجاح إلى انهيار اقتصادي في فنزويلا، الأمر الذي سيحرم الصين بالتأكيد من بعض وارداتها النفطية، لكنه لن يقلل من مشكلات واشنطن. على أي حال، لم يعد هذا الأمر قصة عابرة.
أذكر فنزويلا فقط للتأكيد على أن ترامب يتصرف حتى الآن بحذر نسبي، وبشكل أساسي ضمن إطار منطق ما قبل الانتخابات.
في إيران، من غير المرجّح حدوث سيناريو مماثل لما حدث في فنزويلا، على الرغم من استهانة الإيرانيين سابقا خلال حرب الـ 12 يوما مع إسرائيل.
من الممكن أن تحاول واشنطن إزاحة قيادة البلاد، بدءا بالمرشد الأعلى خامنئي، لكن في رأيي أن فوائد ذلك مشكوك بها.
تفتقر الاحتجاجات في إيران إلى قيادة مركزية ومنسقة، وفي ظل هذه الظروف، لن يكون مصيرها التلاشي التدريجي فحسب، بل ستعجز أيضا عن الاستفادة من إمكانية إزاحة القيادة العليا للبلاد.
النظام الإيراني مستقر مؤسّسيا، حتى لو أطيح بجزء من قيادته.
علاوة على ذلك، من غير المرجح أن يؤدي القضاء على الشريحة الأكثر عداء للولايات المتحدة من النخبة الإيرانية إلى تغييرات جوهرية وسريعة في مسار البلاد، بسبب الجمود الكبير والعنصر الديني (المعادي لإسرائيل) في شرعية النظام. وبدون تغيير جذري للنظام، فإن تقارب إيران مع الولايات المتحدة، إذا حدث ذلك أصلا، لن يكون إلا تدريجيا، وترامب لا يملك الوقت لذلك.
يجب أيضاً وضع عواقب الرد العسكري الإيراني المحتمل في الاعتبار.
ففي أسوأ السيناريوهات قد يشمل ذلك إغلاق مضيق هرمز، ما سيؤدّي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، وهو بدوره ما سيزيد، خلال بضعة أشهر، من تسارع التضخم المحلي الأمريكي عشية الانتخابات الأمريكية.
بالتالي، إذا شن ترامب هجوما على إيران الآن، فقد يواجه سلسلة من العواقب السلبية في الوقت المناسب تماما لانتخابات التجديد النصفي.
في الوقت نفسه، وبشكل عام، فإن إغلاق مضيق هرمز سيؤثر بشكل أساسي على الصين وليس على الولايات المتحدة.
تشتري الصين ما يصل إلى 90% من النفط الإيراني، وذلك لسداد قروض صينية تبلغ 28 مليار دولار.
كما أن فرض ترامب تعريفات جمركية بنسبة 25% على الدول المستوردة للنفط الإيراني يعد ضربة لا لإيران، وإنما للصين.
تسعى واشنطن نفسها إلى قطع تدفق النفط من إيران والخليج إلى الصين، وبالتالي فهي تسعى لذات العواقب التي تهدد بها إيران الولايات المتحدة.
وكل ما يحتاجه ترامب هو إدارة هذه العملية، وتحقيق التأثير المطلوب في الوقت المطلوب بالنسبة له بالضبط.
على المدى القريب، ستوحد الحرب مع إيران الشعب الأمريكي، جمهوريا وديمقراطيا، حول الرئيس.
أما إذا كانت حظوظ الجمهوريين في الانتخابات ضئيلة، وقرر ترامب المضي قدما فستكون الحرب مع إيران ذريعة مثالية لإعلان الأحكام العرفية وإلغاء الانتخابات.
مع ذلك، يجب القيام بذلك قبيل الانتخابات بفترة وجيزة، لتجنب ظهور أي عواقب سلبية.
وفي غضون ذلك، يمكن مُعالجة قضية غرينلاند، ما يضيف إلى قائمة المكاسب السهلة التي ستعزز شعبية ترامب.
بناء على ما سبق، أعتقد أن توجيه ضربة أمريكية ضد القيادة الإيرانية والبلاد ككل، وبرغم كل التصريحات والترهيب الأخير، هو أمر غير مرجح في المستقبل القريب.
في الوقت نفسه، ومع اقتراب الانتخابات الأمريكية خريف هذا العام، يبدو لي أن حربا شاملة ضد إيران أمر مرجح للغاية.
وحتى ذلك الحين، قد يكتفي ترامب بتشديد العقوبات، التي أثبتت الاحتجاجات الحالية في إيران فعاليتها.
بالتزامن، فقد سبق وأن وُجّهت إليّ انتقادات لإضاعتي الوقت في محاولة التنبؤ بتصرفات ترامب من منظور عقلاني ومنطقي.
ومن المحتمل أيضا أن تلجأ إسرائيل بشكل مستقل إلى العدوان على إيران بهدف جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب.
لهذا أقول إن المفاجآت واردة بطبيعة الحال، لكنني أتوقع أن تتطوّر الأحداث وفقا للمنطق الذي وصفته.
المحلل السياسي- الكسندر نازاروف